#1  
قديم 28-02-2011, 03:04 PM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي الفكر والتفكير

الفكر والتفكير

المقدمة:كلمة الفكر تطلق ويراد بها واحد من معنيين:
أولهما: الفكر بمعنى الفكرة والأفكار، فنقول: يمتاز فلان بأن لديه فكراً راقياً –مثلاً- ونعني بذلك أن لديه أفكاراً راقية.
ثانيهما: الفكر (مصدراً) يقصد به عملية التفكير، وهي موضوع بحثنا هنا.
والفكر والتفكير والعقل والإدراك كلها بمعنى واحد، ولم يكن هناك عبر التاريخ أية محاولات جادة للوصول إلى تعريف التفكير، سوى محاولات مفكري المبدأ الشيوعيين ، التي حادت عن طريقها الصحيح * قالوا بأن التفكير هو انعكاس الواقع على الدماغ *

تعريف التفكير :
التفكير هو نقل الواقع بوساطة الحواس إلى الدماغ، وربطه بالمعلومات السابقة لتفسيره أو إصدار حكم عليه.
يتضمن التعريف السابق أربعة أركان:
أولها: الواقع
ثانيها: الحسّ
ثالثها: الدماغ (الصالح للربط)
رابعها: المعلومات السابقة

الركن الأول- الواقع:
لا يمكن للإنسان أن يفكر في غير واقع، فلا يستطيع التفكير في (لا شيء)، أو في واقع لا يقع حسه عليه، وربما قال قائل: إننا نفكر في وقائع كثيرة لا يقع حسّنا عليها أثناء عملية التفكير، والجواب عن ذلك:
أ- حين التفكير في أمر غيبي علمنا عنه من خبر يقيني أساسه العقل، فإن موضع التفكير هنا هو الخبر اليقيني، فيكون هو الواقع الذي نفكر فيه، وقد تم نقل هذا الواقع إما بواسطة السمع أو البصر حسب كيفية نقل الخبر؛ أكان بالاستماع أم بالقراءة.
ب- حين التفكير في واقع سبق نقله إلى الدماغ، فلربما اطلع المرء على واقع ولم يستطع التفكير فيه حين وقوع حسه عليه، لسبب ما: كأن لم يستطع تذكر المعلومات السابقة المناسبة المتعلقة بهذا الواقع، وفي وقت لاحق استحضر صورة الواقع الذي سبق نقله وتذكر معلومات سابقة متعلقة به، واستطاع تفسيره، فإن الواقع حين عملية التفكير لم يكن حاضراً، ولكن كانت صورته حاضرة في الذهن.
وهذا ما يمكن أن نطلق عليه (الواقع المتصور)، فلو كان أحدنا في غرفته، وسمع صوتاً قادماً من المطبخ –مثلاً- فإنه يقول: إن الكأس الفلانية كانت على طرف طاولة ما، وهي التي وقعت وأدت إلى صدور ذلك الصوت، أو أن صنبور الماء لم يكن قد أحكم إغلاقه فنزل منه قطرات من الماء أدت إلى صدور الصوت، أو غير ذلك، ويكون الحكم الذي أصدره العقل صحيحاً في أحيان كثيرة.
وتحضرني هنا طرفة متعلقة بهذا الموضوع، اسمحوا لي بذكرها:
ينسبها بعضهم إلى (جحا)، إذ مرّ على صديق له يعمل في حقله، فعرض جحا على صديقه أن يعمل معه، فوافق صديقه، فسأله جحا إن كان سيعطيه أجراً أم لا، فكانت إجابة صديقه: (لا شيء)، وعمل جحا معه ذلك النهار، وعند الانتهاء طالبه جحا بأجرته.
الصديق: وما الأجرة التي تريد؟ نحن لم نتفق على أي أجر.
جحا: بل اتفقنا على أن تعطيني (لا شيء).
الصديق: يا رجل، ماذا تقول؟ هذا ليس كلام عقلاء.
جحا: لا، بل أريد أجرتي.
ثم جاءه في اليوم الثاني، ثم الثالث، وأخذ يأتيه كل يوم يطالبه بأجرته.
حتى خطرت له فكرة، عزم على تنفيذها عند مجيء جحا.
وفعلاً جاء جحا في اليوم التالي، وطرق على صاحبه بابه، فأدخله الصديق.
الصديق: ماذا تريد؟
جحا: أريد أجرتي.
الصديق: وما أجرتك؟
جحا: (لا شيء).
الصديق: أترى ذلك الحصير ؟
جحا: نعم
الصديق: انظر ماذا يوجد تحته؟
جحا: نعم، لا شيء.
الصديق: خذه وانصرف.
فالواقع هو الركن الأول من أركان عملية التفكير، ليس شرطاً حضوره أثناء عملية التفكير، فقد يكون متصوَّراً، من خبر أو أخبار سابقة، فمثلاً حين التفكير في دولة لم تزرها، ولم ترها، لكن دماغك يختزن صورة معينة لتلك الدولة تجمعت أجزاء تلك الصورة من مجموعة أخبار سبق للدماغ اختزانها.

الركن الثاني- الإحساس
ويقصد به الحواس الخمس، السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ووظيفتها نقل الواقع بشكل معين إلى الدماغ، ويقصد بقولنا (بشكل معين) أن البصر ينقل صورة الواقع، والسمع ينقل صوتاً، والصوت قد يكون صوتاً مجرداً، وقد يكون رموزاً يقوم الدماغ بتحليلها، كالرموز اللغوية، أو عدد معين من الطرقات للدلالة على شيء محدد، وحاسة الشم تنقل الروائح، وحاسة الذوق تنقل الطعم، وحاسة اللمس تنقل ملمس الشيء، وثقله النسبي، والموقع، والإحساس بالحركة والوقوف، وغير ذلك.

ولا يمكن أن تتم عملية التفكير في واقع، إلا بوجود الإحساس به، سواء أكان الإحساس بالواقع موجوداً حين التفكير فيه، أم لم يكن، ولكن لا بد أن يكون قد وقع عليه مسبقاً، وكما قلنا في شرح ركن الواقع، فإن لم يكن الواقع موجوداً حين التفكير فيه، فإن الحس به لا يكون موجوداً حين التفكير فيه، لكنه سبق وقوعه عليه، ونقل صورته –حسب نوعها- إلى الدماغ، واختزن الدماغ تلك الصورة.

الركن الثالث: الدماغ الصالح للربط
لأن البحث هو في العقلاء من البشر، وهم الذين يقع عليهم الحس ممن لديهم خاصية الربط، لأن العبرة في الدماغ هو في وجود تلك الخاصية، فلو وجد الدماغ مع فقدان خاصية الربط، لانعدم التفكير.
والربط هو عمدة عملية التفكير، والربط لا بد أن يكون بين مربوطين أو أكثر، والمربوطان في عملية التفكير هما: الواقع ، والمعلومات السابقة ولكن لا يمكن أن تعمل هذه الخاصية بدون وجود شيئين أو أكثر يتم الربط بينها، بناء على العلاقات التي يدركها العقل بينها، والعلاقات تنشأ نتيجة للخصائص التي تتصف بها الوقائع المختلفة.
والذي يفقد خاصية الربط، يفقد التفكير، لأنه كما قلنا هو عمدة عملية التفكير، فالمجنون فاقد للربط، والحيوان ليس لديه ربط. والربط الذي نبحثه على أنه ركن عملية التفكير وعمدته هو الربط الفكري، المتعلق بإصدار الحكم على الواقع، أو تفسيره، ولا نقصد الربط الغريزي، المتعلق بإشباع الحاجات العضوية والغرائز، الذي هو موجود لدى المجنون، وموجود لدى الحيوان دون الربط الفكري، وموجود كذلك عند الإنسان، لكن الإنسان العاقل يتميز عن الحيوان وعن المجنون بالربط الفكري، المتعلق بإدراك العلاقات بين الأشياء، وليس الربط المتعلق بإشباع الحاجات العضوية والغرائز، إذ الربط الغريزي فطري، ولا يحتاج إلى دربة طويلة أو خبرة طويلة، بخلاف الربط الفكري، الذي يجب أن يركز فيه على خصائص الأشياء، والعلاقات بين تلك الأشياء بناء على خصائصها، ثم استثمار تلك الخصائص والعلاقات في ابتكار أشياء جديدة واستخدامات جديدة للأشياء.

الركن الرابع: المعلومات السابقة
وهو كل ما سبق للحواس أن نقلته إلى الدماغ، وقام الدماغ باختزانه. وهذا يشمل صور الوقائع (على اختلافها) التي سبق للحواس أن نقلتها، أو المعلومات التي يتعلمها الإنسان.
وشرط المعلومات السابقة للتفكير يكفي فيه تعلق تلك المعلومات بالواقع على جهة من جهات التعلق في أغلب عمليات التفكير، صحيح أن أنواعاً من التفكير لا تكفي فيه المعلومات المتعلقة، بل يجب أن تكون بشروط معينة، كأن تكون –مثلاً- بمستوى النص الذي يراد التفكير فيه كالنصوص الفكرية، أو اشتراط أنواع معينة من المعلومات كالتفكير في النصوص الفقهية مثلاً، الذي يحتاج إلى معلومات في اللغة والحديث وأسباب النزول وغير ذلك، لأن البحث هو في مجرد التفكير وليس في أنواع معينة من التفكير، ولنطلق عليه وصف التفكير العام، فإنه يكفي فيه أن تكون المعلومات متعلقة بالواقع على أي شكل من أشكال التعلق، فيحصل التفكير، صحيح أن التفكير حينها سيكون محصوراً في الجهة التي تتوافر عنها المعلومات بذلك الشكل من التعلق، إلا أن التفكير قد حصل، هذا هو المقصود، وجود المعلومات السابقة المتعلقة بذلك الواقع ولو على جهة العموم.
والمعلومات السابقة تؤخذ بالتعلم، وتؤخذ بالتجربة، وتؤخذ بالاستنباط، لكن التفكير الأولي لا يكون إلا بمعلومات سابقة مأخوذة عن طريق التعلم، ولا ينفع فيه التجربة، ولا الاستنباط.
وذلك لأن كل تجربة لا بد لها من معلومات سابقة، ولأن الاستنباط لا يكون إلا من معلومة مختزنة في الدماغ، وعمدة التفكير هو الربط، فالتجربة ربط، فإن خلت التجربة من معلومات سابقة فقد الربط، وعدم وجود المعلومة في الذهن يعني عدم وجود الربط، أي عدم وجود الاستنباط.
وهناك من أنكر اشتراط المعلومات السابقة للتفكير، والسبب في ذلك هو اصطدامه بواقع الإنسان الأول (على حد تسميتهم) الذي هو آدم عليه السلام، فكل منا أخذ معلوماته الأولية من والديه وأسرته ثم المدرسة ثم الجامعة والمجتمع، لكن الإنسان الأول لم يكن أحد من البشر قبله، فمن أعطاه المعلومات السابقة؟ ونظراً لقولهم بأزلية الكون والإنسان والحياة، إذن ارتأوا عدم اشتراط هذا الشرط، وفسّروا عملية التفكير بالانعكاس. فكانوا كمن وضع العربة أمام الحصان، وقالوا له: هيا قم بالجرّ. وكان الأصل فيهم أن يستنتجوا وجود من أعطى الإنسان الأول المعلومات السابقة، لأن النتيجة الحتيمة هي أن المعلومات جاءته من خارج الكون والإنسان والحياة، وذلك لأن الإنسان الأول هو العاقل الوحيد (مما يقع عليه الحس)، ولا عاقل غيره يقع عليه الحس، فيجب أن تكون المعلومات السابقة جاءته من خارج الكون والإنسان والحياة، أي من خالق الكون والإنسان والحياة.

وذات مرة في إحدى المناقشات مع شخص كان يقول بعدم اشتراط المعلومات السابقة لعملية التفكير، فقام المناقش باختراع كلمة جديدة ليتأكد من عدم وجود معنى لتلك الكلمة، وسأل ذلك المنكِـر: عرّف لي (السنسبائية)، وقال له: سأسمعك إياها عشرات المرات، بل سأكتبها لك واقرأها بالعدد الذي تشاء من المرات، فما كان من المنكـِر إلا الإقرار بضرورة وجود المعلومات السابقة لعملية التفكير، فقام بسؤال المناقش عن معنى تلك الكلمة، فأجابه المناقش: تعريفها – أنها كلمة صنعها فلان حين مناقشة فلان ليثبت له ضرورة وجود معلومات سابقة عن الواقع المراد التفكير فيه، ولا معنى لها.

والطفل تتوافر لديه ثلاثة أركان من عملية التفكير: الواقع، والحس، والربط. لكنه يفتقر إلى المعلومات السابقة، وبمجرد أن يبدأ التعلم، ويقوم من حوله بتزويده بالمعلومات فسرعان ما يظهر عليه التفكير.



**********

أنواع التفكير: أنواع التفكير:
هي ثلاثة أنواع: السطحي، والعميق، والمستنير.

أولاً: التفكير السطحي

ويكون في المواضع التي لا تأخذ عملية التفكير حقها من حيث استخدام الأركان الأربع، فمن حيث الواقع لا يتم تقليبه لنقل صورته الحقيقية، ومن حيث الحس لا يتم نقل صورة الواقع كاملة، أو يقتصر فيها على حاسة دون حاسة أخرى، ومن حيث المعلومات السابقة لا تستحضر المعلومات المطلوبة الكافية لتفسير الواقع، ومن حيث الربط لا يتم الانتباه إلى مختلف الخصائص والعلاقات المترتبة عليها بين الواقع والمعلومات.

والذي يتم في أركان عملية التفكير السطحي هو السطحية، والسطحية تعني عدم التعمق في توفير الأركان، فلا يتم –كما ذكر أعلاه- التعمق في الواقع ولا في الحس ولا في المعلومات السابقة المتعلقة بالواقع ولا في الربط.

مثال:

عندما تسأل طالباً في نهاية المرحلة الابتدائية مثلاً، السؤال التالي:
- القميص الواحد ثمنه ديناران، فكم قميصاً نشتري بعشرة دنانير؟

فيقول مثلاً: 30، وعندما تقول له: غير صحيح، يسألك بكم ديناراً نريد أن نشتري؟

فتقول له: عشرة، فيقول: إذن 20. فتقول: غير صحيح، فيقول: 12. وعندما تقول له: غير صحيح… حتى يصل في النهاية إلى أن الجواب: خمسة قمصان.


فتجد أنه يقول لك: لم أنتبه إلى أن المبلغ عشرة دنانير، فهذا متعلق بالواقع، فهو قد حكم على واقع آخر.
ويقول: لم أسمع كلمة دينارين، فهذا متعلق بالحس.
ويقول: ظننت أن العلاقة علاقة ضرب، أو جمع، أو طرح. فهذا متعلق بالربط.
ويقول: لم نأخذ عملية القسمة، وعندما تذكره، يقول: نسيت. فهذا متعلق بالمعلومات السابقة واستحضارها.

المهم أن السطحية تعني عدم العمق في الواقع، وفي نقله، وفي المعلومات السابقة المتعلقة به، وفي الربط. وتعني عدم التعمق في الواقع المراد التفكير فيه، ويشمل التعمق الأركان الأربع.


ثانياً: التفكير العميق


وهو ضد السطحي، ويعني الإحاطة بالواقع، من جميع أركان عملية التفكير، فتجده ينظر إلى الواقع مرات ومرات، ويقلبه من كافة نواحيه، وينظر فيه مرة وثانية وثالثة، وينقب بدقة في ذاكرته لاستحضار المعلومات السابقة المتعلقة بالواقع المراد التفكير فيه، ويقلب النظر في علاقة المعلومات المستحضرة بالواقع، كل هذا يتم بتكرار مع التركيز.

مثال:

طالب آخر سألته السؤال الرياضي السابق، لكن بعد مناقشة موضوع القسمة بالتفصيل، مع ضرب عدد من الأمثلة، وإجابته عن الكثير من الأسئلة المتعلقة بموضوع القسمة، فإن هذا الطالب يقوم بما يلي:

يطلب منك إعادة السؤال مرة ثانية، وربما ثالثة، ويسألك ثمن القميص كذا، ونريد أن نشتري بعشرة، صح؟ فيستحضر من ذاكرته المعلومات السابقة المتعلقة بالسؤال، ليصل أن الواقع مطابق لعملية القسمة، وأنه يجب أن يقسم العشرة على الاثنين، فيجري عملية القسمة، ويتأكد من صحتها بتكرار العملية في ذهنه، وربما استعان بيديه أو بالكتابة من أجل حصر التركيز في عملية التفكير. فيكون قد فكّر تفكيراً عميقاً حتى وصل إلى إصدار حكم على الواقع، بإجابة السؤال.


ثالثاً: التفكير المستنير

يمتاز التفكير المستنير عن التفكير العميق بأن يتم ربط الواقع بوقائع أخرى متعلقة به، كأن تكون علاقته بما حوله، مثلاً، أو علاقته بما قبله، أو علاقته بما بعده، أو علاقته بشبيه له، أو غير ذلك، ولا بد فيه من التفكير العميق، مضافاً إليه ملاحظة علاقة الواقع المراد التفكير فيه بما حوله.

ولنأخذ الطالب السابق نفسه، ونسأله السؤال نفسه، فنجده إضافة إلى ما قام به الطالب السابق المستشهد به في عملية التفكير العميق يقوم بملاحظة العلاقة بين عملية القسمة والعمليات الرياضية الأخرى، ليجد أن هناك تعلقاً بين عملية القسمة وعملية الضرب، فبعد أن يصل إلى نتيجة أن الجواب خمسة، يضرب الخمسة في الاثنين، ليجد أنها عشرة، مطابقاً لما في السؤال، وإن كان يشك في نتيجة الضرب، يدرك أن هناك علاقة بين عملية الضرب وعملية الجمع، فيقوم بجمع الاثنين خمس مرات، ليصل إلى أن الجواب صحيح مئة بالمئة، دون أدنى شك في صحة الإجابة، بخلاف الطالب صاحب التفكير العميق الذي قد يصل إلى أن الجواب أربعة وليس خمسة، ولا يلاحظ العلاقة بين عملية القسمة وعملية الضرب، لكنه مع تعمقه في التفكير وصل إلى نتيجة خاطئة، مع أنه استوفى أركان عملية التفكير، لكنه ربما كان يحفظ أن قسمة عشرة على اثنين تساوي أربعة، أو أخطأ في الربط، ولذلك فإن احتمال الخطأ في التفكير العميق وارد، لكن إن أضيف إليه الاستنارة تكون النتيجة أدق، وتصل إلى أن تكون قطعية في الأمور التي يحكم فيها على الوجود.


وفي حل العقدة الكبرى لا بد من استخدام التفكير المستنير، لأن الأمر متعلق بالتفكير في الواقع مرتبطاً بما حوله. والتعود على عمق التفكير يفقد الإنسان الاستنارة في التفكير، ولذلك تجد كبار العلماء في مختلف صنوف العلم تجدهم –كما قال الشيخ رحمه الله- يصلون للخشبة أو للحجر، وذلك لفقدانهم الاستنارة، نتيجة التعود على العمق في التفكير.

ومن الأشياء التي يتم تعويد الطلبة في المدارس عليها التركيز، والتركيز يعني عدم الالتفات لغير الواقع المراد التفكير فيه، وهو يتنافى مع الاستنارة، ولذلك تجد أكثر أبناء المسلمين فاقدين للاستنارة في التفكير، نتيجة تعويد المدارس لهم على التركيز في المادة المدروسة.

أعود للتأكيد على ضرورة الاستنارة في التفكير أثناء التفكير في حل العقدة الكبرى، لأن الأمر ليس متعلقاً بالواقع وحده، بل متعلق بالواقع وعلاقته بما حوله. فلا بد من النظر في ما يقع عليه الحس من كون وإنسان وحياة، وملاحظة علاقتها بما قبلها، وملاحظة علاقتها بما بعدها، ولا يمكن أن يتم ذلك عن طريق التفكير العميق وحده، ومن المفروغ منه أنه لا يتم عن طريق التفكير السطحي.

فالتفكير العميق يبين حقائق الأشياء، لكن لا يمكن أن يبين صلتها بغيرها، وعلاقتها بها، خذ الفيزيائي مثلاً وعمقه في بحث خصائص المادة، فكلما توسع في علاقات المادة بعضها مع بعض اكتشف أشياء جديدة، لكنه إن اقتصر على النظر في الجزئيات سيبقى تفكيره محدوداً، ولا يمكن أن يصل إلى كون المادة مخلوقة أو غير مخلوقة.

التفكير اما يكون في واقع و اما ان يكون بدون واقع محسوس او من الممكن حسه.
و والواقع اما ان يكون التفكير في وجود الشيء او صفته. ثم الفكر اما ان يطابق واقعه او لا يطابق فهذه سته اشياء:

الاول: التفكير بدون واقع محسوس او من الممكن حسه و هذا لا يسمى فكرا لان وجود الواقع شرط رئيسي في التفكير.
من الامثله على ذلك البحث في ما وراء الكون و الانسان و الحياه قهذا مثال او ايضا مثل ما فعله بعض علماء المسلمين في القديم في اثبات صفات الله عن طريق العقل. فهذا كله وهم و لا يسمى فكرا لانه بحث في غير واقع, فما وراء الكون ليس بشيء محسوس و كذلك صفات الله غير مدركه وهكذا.

الثاني: التفكير في الواقع المحسوس و هو الذي يسمى فكرا سواء طابق واقعه ام لم يطابق و سواء كان التفكير في وجود الشيء او صفته.

الثالث:التفكير في صفه الشيء و هو يعطي حكما ظنيا و ان كان يسمى فكرا لانه بحث في واقع محسوس او من الممكن حسه مثل تعريف الحكم الشرعي, و الاحكام الشرعيه, و مثل النتائج التي يتوصل بها عن طريق العلم التجريبي و غير ذلك.

الرابع: التفكير في وجود الشيء و هو يعطي حكم قطعيا يقينيا مثل وجود الله و القران كلام الله و غير ذلك.

الخامس :الفكر الذي لم يطابق واقعه فيكون خطأ و لكن يبقى فكرا لانه بحث في واقع. من الامثله على ذلك تعريف المجتمع عند الغربيين فقد عرفوه انه مجموعه افراد. فهذا الحكم فكر لان المجتمع واقع محسوس بيد انه لم يطابق واقعه لان التعريف غير جامع وغير مانع, فعشره الاف في باخره يكونون افرادا و ليسوا مجتمعا بالاتفاق.

السادس :الفكر الذي طابق واقعه فيكون حقيقيه او يكون حكما قطعيا لان الحقائق تتعلق بوجود الاشياء و ليس بكنهها. من الامثله على ذلك تعريف المجتمع من انه مكون من افراد تربطهم علاقات دائميه, او غير ذلك من الامور و الله اعلم.

-*-*-*-*-*-*-*-

روى الإمام أحمد في أول مسند الكوفيين "عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ بَشِيرٌ رَجُلًا يَكُفُّ حَدِيثَهُ فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فَقَالَ يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُمَرَاءِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ



بتصرف



__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع