#1  
قديم 28-03-2008, 12:09 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي الشعر الصوفي


الشعر الصوفي

هذا بحث في الشعر الصوفي، مأخوذ من عدة مصادر، ومنقول من عدة جهات، بتصرف تارة، وحرفيا تارة أخرى، حتى لو ادعى البعض الحرفية فلا حجة لهم، فقد كتب قبل مولدهم.

المقدمة

يمثل الأدب الصوفي لونا من ألوان الأدب الرفيع يحمل في طياته أسمى معاني وخصائص السمو الروحي. والشعر الصوفي نوع جديد قديم من أنواع الأدب الفني الذي عرفته المجتمعات الإسلامية في العصور المختلفة

أما كلمة صوفي، فيردها بعض الصوفيين إلى كلمة "الصوف" كمرجعية بسيطة تناسب نسبتها اللغوية أو للبسهم إياه. لكن نسبتها إلى الكلمة اليونانية "صوفيا" Sophia التي تعني "الحكمة" يبدو أقرب إلى الصواب، بل إلى المنطق الصوفي ذاته. فلقب "الصوفي" الذي أطلق أوّل ما أطلق على أبي هاشم الكوفي، المتوفى عام 150ه/768م، ربما كان يقصد به الحكيم؛ وباعتبار أن الصوفية العربية أخذت بمبدأ الاتحاد والحلول، كان من المرجح أن يجعل مريدوها من صوف الماعز محلاً حسياً لدلالتها المعنوية للتقارب اللفظي بينهما، بما يفسر لبسهم للصوف في مراحلهم المبكرة أكثر من أي سبب آخر. ومع ذلك ينبغي عدم إغفال الأسباب المقاربة مثلاً بين صوف الكبش والتضحية بالنفس، وخاصة عند الصوفية المحاربة .

هذا التوقف الشكلاني لاشتقاق مصطلح الصوفية قد يماثله الإشارة إلى تاريخها الممتد منذ ما يزيد على ألف عام (منذ سنة 100 للهجرة تقريباً )؛ وهو تاريخ كاف ليماثل شعريَّتها مع الشعر المكتوب خلال هذا الزمن المديد تأثُّراً ومحاكاة تقليدية لمختلف اتجاهاته وأغراضه، بما يفقِد المصطلح دلالته الشعرية، محيلاً إياه إلى مجرد أسلوب ترميزي، له دوافعه الوقائية، احتراساً من أعداء الصوفية أن يطَّلعوا على أسرارها، أو له أسبابه الإبداعية، كالقول بقصور اللغة عن استيعاب المعاني العلوية والمجردة. غير أن أياً من المسوِّغَيْن لا يقدِّم فهماً للشعرية الصوفية باعتبارها رؤية للوجود أساساً، كان لها تعبيرها المتباين بين تجربة وأخرى، أو بين شاعر وآخر .


الشعرية الصوفية

ترى الصوفية أن الكون على ثلاث مراتب: "علوية، وهي المعقولات، وهي مرتبة للمعاني المجردة عن المواد التي من شأنها أن تدرك بالعقول. وسفلية، وهي المحسوسات، من شأنها أن تدرك بالحواس. وبرزخية، ومن شأنها أن تدرك بالعقل والحواس، وهي المتخيَّلات، وهي تشكل المعاني في الصور المحسوسة." وأيّ مريد للصوفية سوف يجاهد للسموّ من العالم السفلي المحسوس إلى العالم العلوي المعنوي بهدف المكاشفة والمشاهدة فالاتحاد بالذات الإلهية الكبرى. لكن ذلك نادراً ما يتم إلا عن طريق عالم البرزخ الذي هو تركيب من العالمين الحسي والمعنوي، وهو عالم شبيه بالحلم ما دام يعيشه الصوفي ذاتياً، أو وفقاً لمقامه الذي استطاع الوصول إليه.

بعبارات أخرى، إن الصوفية لا تتحقق من خلال هذا العالم المحسوس أو وفقاً لقوانينه الطبيعية، وإنما يبدأ وجودها مع عالم البرزخ الخيالي، وصولاً إلى العالم المعنوي. وهي، بتبنِّيها لمبدأ الرياضة والمجاهدة، غير متماثلة عند جميع الصوفيين، بل إنها، حين تؤكِّد على وجود موضوعي للعالم الخيالي وللعالم المعنوي، فإنها تؤكد من جهة أخرى على ذاتية مريديها في رؤيتهم للكون، وعلى تمايز طرائقهم في ذلك.

تأسيساً على هذه الرؤية وحدها يمكن مقاربة الشعرية الصوفية على أنها تجربة ذهنية قد تسبقها أو ترافقها تجربة جسدية ليس غايتها التعبير عن المحسوس بأية طريقة، وإنما على النقيض من ذلك – أو على الأقل ليس غايتها سوى تهيئة النفس للدخول إلى عالم الخيال الحقيقي. وهكذا لا يكون الشعر "صوفياً" إلا حين صدوره عن مرتبتي البرزخ والمعاني المجرّدة، أو عن التجربة المفضية إليهما. وبهذا سوف تفترق الصوفية العربية، كمصطلح، عن مرجعيَّتها اليونانية، فلا يكون للحكمة أو للزهد أو للحب أو لأيّ موضوع آخر صلة جوهرية بها حتَّى ولو قالها المتصوفون أنفسهم. بل إن في أدبيات الصوفية وأقوالها ما يميز بين ما هو صوفي وما هو غير ذلك، حتى في الأشعار الصادرة عن مرتبة الخيال أو البرزخ. بل إن ابن عربي جعل من هذا التمييز سبباً من أسباب الرياضة والمجاهدة. لذلك لن يكون إغفال الحديث عن الموضوعات الصوفية وتقاطعاتها مع الموضوعات العامة تقليلاً من أهميتها بقدر ما هو محاولة لإبراز سمات الشعرية الصوفية المميِّزة لها عن جماليات الشعر العربي المعروفة، علماً أن الصوفية اتكأت على هذا الشعر إلى أقصى حدّ ممكن.

ثم إن القول بتماهي الشعرية الصوفية ورؤيتها لا يعني بالضرورة أن كل من تبنَّى هذه الرؤية هو شاعر لذلك. فليس كل الصوفيين شعراء، وليس كل الشعراء الصوفيين على مستوى متماثل في الإبداع والموهبة. ومادامت غاية هذا البحث هي شعرية في كافة المعايير المطروحة فيه، فإن ما يهمُّه منها سوف يتعلق بمدى الإبداع الذي حققه الشعراء بكونهم صوفيين، وليس بكونهم شعراء وحسب. وفي واقع الحال أنه كلما كان الشاعر مبدعاً وصاحب موهبة، استطاع أن يتمثل الرؤية الصوفية إبداعياً، مع ملاحظة أن عكس ذلك ليس صحيحاً دائماً. فهذا الحلاج مثلاً هو أحد أعلام الصوفية الكبار على مرّ العصور، لكنّ نتاجه الشعري، إضافة إلى قلته، لا يشكِّل قيمة إبداعية توازي تجربته الوجودية والفكرية. بينما للنفَّري، مثلاً، شأن إبداعي آخر لا يقل عن منزلته الصوفية عند مريديه. لكن هذا الرأي المسبق قد لا توضحه تماماً إلا دراسة إجمالية للشعر الصوفي كله.

التقليد والتجاوز

إذا كان من المتعارف عليه أن الشعرية الصوفية لا تطرح نظرية جمالية لما هو الشعر وكيف ينبغي أن يكون، مادامت لا تولي أيّة أهميّة لفنّيته، فذلك لأنّها – كما سبق القول – فيض عن رؤية وجودية للكون أكثر مما هي رغبة بإبداع شعرية جديدة – وإن ستبدعها فعلاً. وإذا كانت بهذا المعنى تشكل قطيعة رؤيوية مع الشعرية العربية في سموِّها عن الواقع الحسي، واتخاذها لعالم الخيال منطلقاً لها، غير أنها لم تفعل ذلك دائماً على صعيد الكتابة الإبداعية. فأن يكون عالم الخيال هذا برزخاً بين ما هو حسِّي وما هو معنوي قد لا يعني عند معظم الشعراء الصوفيين سوى تحميل الأشعار الحسية دلالات معنوية قد لا تؤثر في خيال الشاعر ولا في صياغته الفنية لا من قريب ولا من بعيد. بل إن الكثير من أشعارها ليس أكثر من اقتباسات ومحاكاة شبه حرفية لأشعار الآخرين، ومن غير أية خصوصية فنية تذكر:
هل نارُ ليلى بدتْ يوماً بذي سلمِ أم بارقٌ لاح في الزوراء فالعلم


من المفترض أن يكون هذا البيت صادراً عن مرتبة البرزخ، كونه يجمع بين ما هو حسي، وهو الظاهر من الكلام، وما هو معنوي، وهو الباطن المفترض. لكن صياغته الفنية ليست أكثر من محاكاة تقليدية للشعر الجاهلي. فهو يذكِّر بمطلع معلقة عنترة إيقاعاً ووزناً وقافية، وهو يذكّر باحتفاء الشعر الجاهلي بذكر الأمكنة ولاسيما الوقوف على أطلالها – مطلع معلقة امرئ القيس مثلاً. أما الظاهر من معنى هذا البيت فلا يتجاوز رغبة الشاعر بدعوة ليلى له إما في موضوع ذي سلم أو في موضعي الزوراء والعلم. وأما المعنى الباطني فهو ليس أكثر من تحميل دلالي لألفاظه؛ فتكون ليلى هي الذات الإلهية، والنار والبرق إحدى تجلِّياتها. ومن الملاحَظ أن هذا التحميل لم يغيِّر في بنية البيت الفنية، فبقي على حاله تقليداً ومحاكاة للشعر الجاهلي.

لكن الشعر الصوفي في زمنه الإبداعي هو امتداد للشعر المحدث، حتى إن هناك من يعتبر أبرز أعلامه من أمثال أبي نواس وأبي تمام والمتنبي من أتباع المذاهب الباطنية المتوافقة إلى حد كبير في أفكارها مع الأفكار الصوفية. وإذا كان الشعر المحدث يماثل في فنِّيته مرتبة البرزخ على أساس أن صوره غالباً ما تقوم على بنية تجمع بين الحسي والمعنوي، فإن ما ينبغي ملاحظته أن الشعر المحدث، حتى في صوره المتخيَّلة، هو في مجمله من هذا العالم، وغالباً ما يعود بدلالاته إليه؛ بينما الشعر الصوفي حتى في اتِّكائه على الشعر المحسوس هو متعالٍ مادام يصدر عن مرتبة أعلى من مرتبة العالم المحسوس الذي يعيشه البشر والطبيعة. وهذا التعالي ربما كان افتراضياً، لكن الشعراء الصوفيين استطاعوا من خلاله أن يشكِّلوا ما يشبه المنظومة الفنيّة داخل الشعر المحدث ذاته، وذلك على الرغم من تأثرهم به وتقليدهم له:
وأرضعني ثديَ الوجود تحقّقاً فما أنا مفطومٌ ولا أنا راضعُ


إن "ثدي الوجود" تركيب لا يُلمَح له شبيه، لا في الغزل العذري ولا في الغزل الماجن؛ إنه يدل على شبقيَّة يستطيع علم النفس الحديث أن يظهر من خلالها عقدة أوديبية صريحة، لولا أنه تركيب صادر عن التجربة الصوفية وحدها. فهو يحيل ببساطة إلى حديث للرسول يشبِّه فيه العلم باللبن.

وإلى ذلك، سوف تبرز خصائص الصوفية في الشعر الموزون من خلال هذه المنظومة الفنية بشكل أوضح حين تفعيلها للتجربة الذهنية بما لا سابق له في الشعر العربي، وخاصة حين صدوره عن مرتبة المعقولات والاتحاد بالذات الكبرى. غير أنه ينبغي عدم التفاؤل كثيراً؛ فمع أن هذا الشعر أنتج الكثير من الإلماحات غير المألوفة في العقلية العربية، إلا أنه لم يستطع، في معظم نتاجه، أن يرتقي إلى مصاف التجريد المقبول فنياً:
كلماتٌ من غير شكل ولا نطق ولا مثل نغمة الأصواتِ
فكأنّي مخاطباً كنتُ إيّاهُ على خاطري بذاتي لذاتي
ظاهرٌ، باطنٌ، قريبٌ، بعيدٌ، وهو لم تحوهِ رسومُ الصفاتِ
هو أدنى من الضمير إلى الوهم وأخفى من لائح الخطراتِ



إنّ الشاعر في صدوره عن مرتبة المعقولات يحاول أن ينزِّه الله عن أي ملمح حسّي. إنه ينقل بدقة موضوعية ماهية الموصوف وتأثيره عليه. لكن التجريد حين يأتي سوف يأتي من كون الموصوف هو معنويّ بذاته وليس نتاجاً لصياغة فنية. وربما من أجل هذا لا تقدم إشراقات الصوفية أية كشوف فنية؛ فهي، في معظمها، محاكامات وشروحات لما هي عليه هذه المرتبة بما يفقدها الكثير من المقومات الشعرية. وليس الشطح الصوفي، ولاسيما المنظوم منه، ببعيد عن ذلك؛ إذ إن الشاعر حين وصوله إلى مرتبة الاتحاد لا يفعل أكثر من الاحتفاء بذاته وغنائها:
أنا مَنْ أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا


فهذا الغناء، لطبيعته الحلولية، يحيل إلى الشاعر ذاته، فتبقى بذلك لحظة الكشف غائبة، بل من المستحيل معاينتها مادام أن ما يراد كشفُه هو معنوي ومجرَّد في ذاته أيضاً. وربما أقصى ما استطاعت أن تبدعه الصوفية في تكوينها لمرجعيَّتها الرؤيوية هو الإبداع من داخل منظومتها المستعارة من الشعرية المنجزة، بعد تجريدها ذهنياً، وإدخالها في منظومة الدلالات الصوفية المتفق عليها مسبقاً:
أباحتْ دمي إذ باح قلبي بحبِّها وحلَّ لها في حكمها ما استحلّتِ

وما كنت ممَّن يظهِر السرّ إنما عروس هواها في ضميري تجلَّتِ

فألقت على سرِّي أشعة نورها فلاحتْ لجلاسي خفايا طويَّتي

ومن عجبٍ أن الذين أحبهم وقد أعلقوا أيدي الهوى بأعنَّة

سقوني وقالوا: لا تغنِّ ولو سقوا جبال حنينٍ ما سقوني لغنّتِ



إن تركيب "عروس هواها" لا يمكن أن يخطر على بال المتأمِّل فيما هو حسي أو برزخي، ذلك أنه نتاج معرفي محض. فالضمير "ها"، صحيح أنه يعود إلى الخمرة، لكن من غير المتعارف عليه أن تكون المحبة بتأثيرها، وإنما يكون للحبيبة تأثير يشبه تأثير الخمرة المسكر. ولولا تماهي دلالة الخمرة بدلالة المعرفة في ذهنية هذا الشاعر لما توصل إلى إبداع مثل هذا التركيب. بل إن الأبيات كلَّها تنشئ علاقة بنيوية بين العالمين الحسي والمعنوي يكون فيها الأول تابعاً للثاني على غير ما هي الحال عادة.




التجديد والريادة

بعد ذلك يبدو أن السبل المنجزة قد ضاقت بالشعرية الصوفية. فهي حتى الآن قد أقامت رؤيتها الوجودية في جانب واستعارت رؤيتها الفنية من جانب آخر. لذلك كان جديراً بها أن تعمل أكثر من أية حركة شعرية أخرى على خلخلة جماليات الشعرية العربية ومفاهيمها، فطرحت مسألة العروض على طاولة البحث، وقامت جدياً بالخروج عن منظومة الأوزان الخليلية عبر تكسيرها ورفض الالتزام التام بقوانينها. وكانت حجَّتها في ذلك – كما هي دائماً – التسامي عن أي توجُّه فني لإبداعها:
شعرُنا هذا بلا قافية إنما قصدي منه حرف ها

غرضي لفظةُ ها من أجلها لست أهوى البيع إلا ها وها


فمع أن الشاعر يكتب هذا الشعر موزوناً ومقفَّى، إلا أنه يخلع القداسة عنهما ليطرح إمكانية الإبداع من غير قافية. وربما لم يكن التزامه بها، أو بالشعر الموزون عامة، إلا لشغفه الغنائي بالذات المطلقة، بما يجعله يكرِّر حرف الهاء الدال عليها. لكن كل هذا التبرُّم من الأوزان والقوافي تم فعلاً بعيداً عن الصوفية ورؤيتها. وإنما جاء هذا التمهيد للتأكيد على أن الشعراء الصوفيين لم يتخذوا مواقفهم الجمالية من الشعر السابق لهم اعتباطياً ومن غير دراية به؛ وليؤكد أيضاً على أنهم طالما عملوا على ابتكار شعرية جديدة تنسجم مع رؤيتهم إلى الكون، بما يفارق الشعرية القديمة تماماً.

وربما لم يصل هذا العمل إلى مبتغاه من التحقق والانسجام إلا حين تخلى الشعراء الصوفيين عن الشعر الموزون جملة وتفصيلاً، لأنهم بذلك بدؤوا مرحلة جديدة من الإبداع ربما لم تعرفها الشعرية العالمية من قبل. ومن هنا قد يكون غياب المصطلح النقدي، أو عجزه عن توصيف شعرية تلك المرحلة في حينه، دلالة على أصالة هذا العمل وابتكاره. فالشعر النثري أو قصيدة النثر أبداً لم تكن غريبة عن الشعرية العربية، وأي منصف لهذه الشعرية لابد أن يعود إلى الشعر الصوفي ليتحقق من أنها إحدى إنجازاته.

غير أن القول لا ينبغي أن يذهب بعيداً جداً، ولا ينبغي له، في الوقت نفسه، أن يقلِّل من أهمية الريادة الصوفية. بل إن هذه الريادة هي ما يدعو للتريث في إطلاق التوصيف، يدعو للتريث وحسب. فالنقد مطمئن لإنجاز لا يدعو للشك في شعريَّته النثرية. إنّ مواقف النفّري ومخاطباته كافيتان وحدهما لمثل ذلك.

لكن مواقف النِّفَّري ومخاطباته، وحتى شطحات البسطامي والشبلي، هي عناوين دلالية، موضوعاتية، وليست توصيفات نوعية لأشكالها. لذلك، ومثلما يحاول هذا البحث أن يردّ للصوفية ما لها من ريادة في إبداع قصيدة النثر، يجب الاعتراف، في المقابل، أن مصطلح "قصيدة النثر" هذا هو إبداع فرنسي. لكن مثلما أن إبداع المصطلح لا يعني إبداع القصيدة، فإن ما ينبغي اكتشافه أو إعادة الاعتبار إليه في الشعرية الصوفية ليس لبنة أولى، أو شيئاً يشبه قصيدة النثر، بل هو قصيدة النثر ذاتها. إضافة إلى ذلك، لا يلزِم الاعتراف بأسبقيَّة إبداع المصطلح على الأخذ بمضمونه مادام قد صار للنقد العربي رأي في ماهية قصيدة النثر وتعريفها على أنها كل شعر خال من الوزن والقافية. لكن الانطلاق من هذا التعريف قد لا يكفي بمفرده هنا للتمييز بين ما هو شعري، في تلك العناوين، وما هو نثري لا قيمة إبداعية أو شعرية له. وربما إشكالية التمييز هذه أكثر ما تبرز في النصوص "الشطحية"، أو فيما يرد تحت اسمها. فالشطح في صدوره عن مرتبة الاتحاد سوف يقال بشكل ارتجالي، لاإرادي، ويكون تعبيره، في هذه الحالة، منظوماً غالباً، كقول الحلاّج السابق. لكن معظم شطحات البسطامي، مثلاً، مرويَّة بطريقة نثرية، وهذه الرواية النثرية قد لا تقلل من شعرية الشطح بقدر ما تدل على نوعيَّتها كقصيدة نثر؛ إذ إن هذه القصيدة لم تُسَمَّ كذلك لتخلِّيها عن الوزن والقافية فقط، وإنما لاشتراكها مع الأنواع النثرية الأخرى في أشكالها الخارجية أيضاً، لكن بما لا يخلّ بشعريَّتها وبنيتها كقصيدة - الشيء الذي سوف تدل عليه النصوص الإبداعية، وإنْ على نحو متباين:

رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد! إن خلقي يحبون أن يروك. فقلت: زيِّني بوحدانيَّتك، وألبسني أنانيَّتك، وارفعني إلى أحديَّتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك. فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك.

قد يكون هذا النص متكاملاً كبنية شكلية، وهو كفعل ودلالة يمثل انقطاعاً عن المعقول في الذهنية العربية. غير أنه لا يستطيع مع ذلك أن يبدع فسحة شعرية إلا من خلال مستوى الصدق والكذب الذي تحقِّقه التراكيب المحدثة. وهذا المستوى ضيق جداّ بحيث لا يعتدُّ به في شعرية القول وفنِّيته، مادام لا يخرج عن كونه تقريراً إخبارياً يشرح أبو يزيد من خلاله كيف يرغب بلقاء خلق الله؛ وهو شرح محدّد في دلالته، وحياديّ في بيانه، بلا مشاعر، وبلا إلماح. إنه يبيِّن كيف يكون الاتحاد، ولكنه لا يصل إلى مرتبة الشطح حيث القول صادر عن وجد ومعاناة يمكِّنانه من أن يكون شعرياً. لكن حتّى في مثل هذا البناء الإخباري يمكن أن يحضر الشعر، ولاسيما إذا ما توفّرت له المقومات التي تحرِّره من حدوده وإخباريَّته، كما هي الحال في هذه القصيدة التي تبدو وكأنها استكمال للنص السابق:

أول ما صرت إلى وحدانيَّته، صرت طيراً، جسمه من الأحديَّة، وجناحاه من الديمومة. فلم أزل أطير في هواء الكيفيَّة عشر سنين، حتى صرت إلى هواء مثل ذلك مئة ألف مرة. فلم أزل أطير إلى أن صرت في ميدان الأزليَّة، فرأيت فيها شجرة الأحديَّة… فنظرت، فعلمت أن هذا كلُّه خدعة.

إن شعرية هذه القصيدة تقوم على تحقق الفعل ونفيه في الوقت نفسه، بما يشبه الحلم واليقظة. وهذا التشابه يُخرِج دلالات القصيدة من إخباريَّتها المحضة إلى فسحة الإلماح والتخمين. وقد يبدو تركيبها السردي مماثلاً للشعر المحدث في تجسيده لما هو معنوي ومجرد؛ فعبارات "هواء الكيفيَّة"، "ميدان الأزليَّة"، "شجرة الأحديَّة"، لا تختلف عن "ماء الملام" لأبي تمام إلا دلالياً. وكذلك بنية هذا السرد الحكائية هي متداولة حتى في الكلام العادي، مع أنها تنقل عالماً غير محدَّد المعالم. إنه عالم البرزخ الذي لا يمكن استعارته مادام خارج هذا الكون؛ فهو برزخ من عالم المعقولات العلوية ولا ينتمي لمرتبة البرزخ البشرية. لذلك، وعلى الرغم من صحة التوصيف الفني لتراكيبه بتماثلها مع الشعر المحدث، غير أنها لا تُفهَم من خلاله. ذلك أن هذه القصيدة لا تقدم تجربة فنية قاصدة جماليَّاتها، وإنما هي منقولة عن تجربة ذاتية هي تجربة شعرية في معيار الكتابة، أي بسبب كتابتها. إذا لا وجود للشعر بلا شعراء، ولا وجود للشعراء بلا قصائد، بمعنى أن دلالة قصائد البسطامي على شعريَّته هي أهم بكثير من نظمه لقصائد شعريَّتها مستعارة من غيره؛ بكلام أوضح، إن جهل البسطامي ومعاصريه بشعريَّة شطحاته، أولاقصديَّتها في ذلك، ينبغي أن يفهم في سياقه التاريخي، ومن طبيعة التجربة ذاتها، أي من خلال رؤية البسطامي لما يقول على أنه حقيقة واقعة، وليس إثباتاً لحلم أو لوهم، له دلالاته النفسية المفترَضة. لذلك قد يصح ألا تفهم تراكيب هذه القصيدة وصورها على أنها تراكيب فنية. فالبسطامي كان يعتقد أَنه قد صار طيراً حقاً، له جسم من الأحديَّة، وجناحان من الديموميَّة. وهذا الاعتقاد قد يكون مقبولاً، أو غير ذلك، إلا أن ما قالته هذه القصيدة ليس من هذا العالم، ولا يفهم من خلال أقواله. فهو، حين يماهي بين ما هو حسِّي وما هو معنوي إلى حد يمتلئ فيه القول بدلالته بما ينفي ويتجاوز إشارية القول التقليدي إلى إبداع يوازي بين القول وتجربته، فذلك لأن طموح البسطامي يبدو أبعد من هذا القول وتجربته معاً، وإلا فما الذي يفسر انخداعه في النهاية؟

إن قصائد البسطامي، على قلَّتها، تمثل تجربة في الرفض لا حدود لقلقها سوى الفناء. وأي شيء غير ذلك سوف يدعو للتهكُّم والريبة، حتى ولو كان رؤية لشجرة الأحديَّة ذاتها. ومن يصرخ في إحدى شطحاته الموحدة: "سبحاني، ما أعظم شأني" ، ليس من الصعب عليه أن ينظر إلى الجنة والنار بلا اكتراث، ليس لأنهما لا يدخلان ضمن منظومة الأفكار الصوفية وحسب، وإنما لأن رفضهما يعني رفضاً لأي تراتبيَّة دنيوية، بما يحقق له تسامياً وحنواً إنسانياً قلَّ نظيرهما:

ما النار؟
لأستندنَّ إليها غداً،
وأقول: "اجعلني لأهلها فداءً."
أو لأبلعنَّها!
ما الجنَّة؟
لعبة صبيان.


إن التمرُّد على الشرط الإنساني بكل أشكاله هو ما يحقق للبسطامي جدلاً بنيوياً بين تجربته الوجودية وقولها. وإن جاء هذا الجدل ناقصاً، قصائدُه قصيرة ومعدودة على أصابع اليد الواحدة، فلأن قوله، مع تجديده وإبداعه، قد جاء نتيجة لتجربة جديدة، وليس لتجربة في القول ذاته. ولعل هذا ما يجعل البسطامي مجدداً رؤيوياً، تعوزه الموهبة والإرادة الشعرية، أكثر مما هو شاعر محترف يحترم الشعر بقدر احترامه لتجربته الخلاصية.

إن هذا المقدار من الجدل الذي يرى في الشعر تجربة شاملة للوجود بأبعاده كلها قد لا يكون متحققاً في ذروته الإبداعية إلا لدى شاعر عاش ومات قبل البسطامي بمدة طويلة. فقد كان النِّفَّري على دراية عميقة بالمنحى الإبداعي لما كان يكتبه، ليس لأنه كان يقوم بتدوينه على قصاصات سوف تجمع بعد موته في كتابين، سُمِّي الأول المواقف نسبة إلى مطلع القصائد "أوقفني وقال لي"، وسُمِّي الثاني المخاطبات نسبة إلى المطلع أيضاً، وهو "يا عبد"، وإنما لأن صفحات كتابيه هذين سوف تزخر بفنون الشعر وأساليبه الجديدة بما يحتاج فعلاً لبحث مستقل يفي هذه الصفحات حقها. لكن الآن، وتحاشياً للاستطراد المربك لسيرورة هذا البحث الإجمالية، يمكن إبراز الخصائص الأساسية لشعرية النِّفَّري و إبداعها، ولاسيما أن ما قيل حول نثرية قصائد البسطامي يصح أن يقال حول قصائد النِّفَّري أيضاً، ولكن بفارق كبير هو أن هذا الأخير كان قد استطاع أن يقدم نموذجاً متكاملاً لريادته الكبرى في مجال قصيدة النثر العربية؛ بل إذا ما كانت سنة وفاته هي 354 هـ، فهذا يعني أن مولد قصيدته سوف يكون متقدماً على مولد قصيدة النثر الفرنسية بأكثر من ألف عام.

أما لماذا لم ينتشر هذا النوع من القصائد في الشعر العربي القديم؟ فربما لأنه لم يكن يُعتبَر شعراً من جهة؛ وللقداسة التي استُقبِل بها أو نقيض ذلك من جهة ثانية؛ ولأنه لم يكن يفكر بصلاحيَّته لمعالجة قضايا دنيوية من جهة ثالثة. بل إن الأستاذ حمزة عبّود، وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذله في إيضاح شعرية النِّفَّري وإبراز خصائصها الجدلية وانعكاسها على التراكيب والصور، غير أَنه لم يقم بتوصيفها كقصائد نثرية رائدة، وإنما اكتفى بالإشارة السريعة إلى أن "الأوزان وقوانين علم العروض والبيان لا تمتُّ إلى الأثر الشعري إذا هي لم تنتج من داخل التجربة"، ربما مداراة لسلطة نموذجية، أو لجهله بكيفيَّة اختراقها. ومهما يكن من أمر، فإن هذا التوصيف لا ينفيه أو يثبتُه - كما هي الحال دائماً - غير القصائد واشتمالها على مقومات شعرية، لها سماتها النثرية الخاصة أو المتعارف عليها:

أوقفني في الموت،

فرأيت الأعمال كلها سيِّئات،

ورأيت الخوف يتحكم على الرجاء،

ورأيت الغنى قد صار ناراً ولحق بالنار،

ورأيت الفقر خصماً يحتج،

ورأيت كل شيء لا يقدر على شيء،

ورأيت الملك غروراً،

ورأيت الملكوت خداعاً.

وناديت: يا علم!

فلم يجبني.

وناديت" يا معرفة!

فلم تجبني.

ورأيت كل شيء قد أسلمني،

ورأيت كل خليقة قد هرب مني،

وبقيت وحدي.

وجاءني العمل،

فرأيت فيه الوهم الخفي،

والخفي الغابر.

فما ينفعني إلا رحمة ربي.

وقال لي: أين علمك؟

فرأيت النار.

وقال لي: أين عملك؟

فرأيت النار.

وقال لي: أين معرفتك؟

فرأيت النار.

وكشف لي عن معارفه الفردانيَّة،

فخمدت النار.

وقال لي: أنا وليُّك،

فثبتُّ.

وقال لي: أنا معرفتك،

فنطقتُ.

وقال لي: أنا طالبك،

فخرجتُ.




ربما يكون هذا التوزيع العمودي لـ"موقف الموت" تعدِّياً على النص الأصلي. لكن قراءته وفقاً لما هو مكتوب أفقياً، لابد أن تراعي الفواصل بين جملة وأخرى، مما يفضي إلى التوزيع الإيقاعي نفسه. وهو بذلك لا يختلف عن أي إيقاع داخلي لقصيدة النثر الحديثة؛ بل إن انتهاء الجملة بهذا الانسجام بين الإيقاعين النحوي والدلالي قد لا يتحقق كثيراً فيما يُكتَب الآن.

والأهم من هذا أن إيقاع هذه القصيدة جاء عفوياً وتلبية لتجربة النِّفَّري الشعورية. إذ إن تخلِّيه عن الوزن لم يجعل منه إيقاعاً مهموساً خافتاً. فالانفعال واضح في تلاحق العبارات المتمركزة حول دلالة الموت مشكِّلة وحدة مقطعية أولى، سوف تنتهي بقفلة معبِّرة عما يقصده النِّفَّري من هذا الموقف تماماً. فعبارة "بقيت وحدي" تدل على رفضه لكل ما رأى في هذا العالم لتنفي تورُّطه به. وتأتي الوحدة الثانية عابرة لتدل على ألا جدوى من المحاولة من أجل التغيير. أما الوحدة الثانية فهي انتقالية بين الوحدتين الأولى–الثانية والوحدة الرابعة–الختامية، ذلك أن النِّفَّري يعبِّر من خلالها عن لجوئه إلى الله بعد أن أدرك بطلان علمه وعمله في هذا العالم. في الوحدة الرابعة يتم الكشف عن الخلاص الفردي بعيداً عن أية حلول جماعية. وتنتهي القصيدة في الوحدة الخامسة بنداء الله للنِّفَّري وتلبيته لهذه الدعوة.

تفيد هذه المتتالية المنطقية لسير الدلالات في إبراز تقابلاتها الإيقاعية، إذ تعتمد الوحدة الأولى على تكرار الفعل "رأيت" كدلالة على ما هو دنيوي، وتعتمد الوحدة الخامسة على تكرار الفعل "قال" كدلالة على ما هو إلهي، بينما تعتمد الوحدة الثالثة على تكرار الفعلين معاً كدلالة على أنها وحدة انتقالية. وثمة تقابل مركزي بين عبارة "بقيتُ وحدي" التي جاءت خلاصة للفعل "رأيتُ" وعبارة "خرجتُ" التي جاءت خلاصة للفعل "قال". هذا بالإضافة إلى التكرارات والطباقات الثانوية التي تحقِّقها كل وحدة على حدة لتشكِّل في مجموعها وحدة إيقاعية على علاقة جدلية بدلالاتها. بل إن شعرية هذه القصيدة تقوم على رؤية كلية للوجود تولَّدت عنها مجموعة من الوحدات الإيقاعية–الدلالية التي أفضت إليها. ونتيجة لهذه العلاقة التي تحققت في قصائد عديدة من المواقف والمخاطبات، أبدع النِّفَّري لغة شعرية تجريدية تكاد تضاهي أرقى ما أبدعه الشعر الحديث في هذا المجال.

فلغة النِّفَّري في صدورها عن مرتبة المعقولات سوف ترتقي بالشعر وبالصورة الشعرية عن برزخ المعقولات الكونية إلى برزخ المعقولات الإلهية. وهي لم تكتف بالنقل – كما سيفعل البسطامي –، وإنما جعلت هذا "البرزخ" خالصاً بين اللغة ودلالاتها، بما يشكل نقله نوعية عن الشعر المحدث في أرقى أشكاله الصوفية:

فإن جاءك نصري فنم فيه.

فإن أوقفك في الصراخ فنم فيه


قد لا يكون إطلاق دلالة الصراخ أو النوم في شعرية النِّفَّري بجديد؛ فقد أوقف المتنبي، مرة، ممدوحَه في جفن الردى؛ وكذلك النِّفَّري أوقفه الله في مطلع القصيدة السابقة. لكن، وعلى اختلاف الموقفين، فقد أحالا إلى هذا العالم، فبقيت صورهما حاملة له، متعلِّقة به، بينما صورة النوم في الصراخ لا تحيل إلا إلى ذاتها. فالنِّفَّري لا ينام بين صراخ الأفواه أو فيه، إنما ينام في الصراخ مجرداً، مما ينفي أية استعارة. لقد فكر جان كوهن مؤخراً بالاستعارة المطلقة: "الأذان الأزرق" مثلاً!؟

قضايا الشعر الصوفي

تميز الشعر الصوفي في الأدب الاسلامي بعدد من القضايا والأغراض استقل بها شعراء الصوفية وتميزوا فيها، منها :
۱- التقشف والزهد في الدنيا: ويتمحور حديث الشعراء فيه حول الوعظ والتذكير من ناحية والحكمة الدينية من ناحية أخرى، حيث يمثل الزهد أحد المقامات والطرق الموصلة إلى الله.
۲- الحب الإلهي: ويمثل هذا الاتجاه أكثر المجالات وفرة وارتيادا لشعراء الصوفية، حيث اتخذوا الغرض أداة للاستعانة على بث معاني القرب والتودد إلى الذات الإلهية.
۳- المقامات: ويستهدف هذا الغرض من الشعر إبراز ما تحقق للعبد من المكاسب الخاصة من خلال مجهوداته وعباداته وما حصل عليه من المواهب الربانية.
۴- المناجاة: ويعد هذا النوع من الشعر بمثابة سرد للتجربة الشخصية في التصوف.
۵- المديح النبوي: وهو من أكثر المجالات إنتاجا وإبداعا لدى شعراء الصوفية. ويعتبره الصوفيون من أجل أبواب القربات إلى الله.
۶- التوسل والاستغاثة: وهو من أهم خصائص الشعر الصوفي، ويهدف إلى التماس قضاء الحاجة بواسطة النبي وبغيره من الأنبياء والأولياء الصالحين عند الله.
۷- مدح الشيوخ: ويستهدف هذا اللون إطراء شيوخ الطرق الصوفية وإبراز مآثرهم وكراماتهم بغرض إثبات أحقيتهم في التقديم والتبجيل.

نماذج من الشعر الصوفي:

يقول الشيخ محمد الناصر كبر في قصيدته «لوامع البرق في وصف حال أهل الشوق{ في الحب الإلهي:

قتيل الشوق يرحمه السلامويسقي غيرَ مفْسَدِه الغمامُ
أشوق إليك يا رحمن شوقاكما شاقتك سادتُنا الكِرامُ
عباد عنهم الرحمن راضولم يرددهمُ عنه الملامُ
يقومون اللياليَ في تناجٍليومهمُ بلا مللٍ صيامُ
فلا تلقاهمُ إلا وقوفاعلى الأقدام أنحلَهَا القيامُ
يحبّون الإله وحُق حقابشرع الحب أن يُطوى المنامُ
شراب الشوق في الأحباب يزكوطعامُ الذكر ذاك هو الطعامُ
ونور الشوق في الأحباب يزكوونارُ الشوق كان لها اضطرامُ
وتزكو فيهمُ شيئا فشيئاعلى التدريج يرتحِلُ الظلامُ
وتوقد نار ذاك النورِ وقدافيحترقُ الحجاب المُستدامُ
تظنهمُ من الأشواق جُنواوما جُنوا ولكنْ فيه هاموا
أساموا في الرياضِ وما أساموابها ولكن بجنّتها أساموا
جَنوا منها قطوفا دانياتيوانعَ قد تعاورها انسجامُ
فجالَ العاشقون الهيمُ بحراخضما لا يُخاض ولا يعامُ
غَذَوا أرواحهم بلبان عشقفهم في حِجره أبدا نِيامُ


يقول الشيخ عثمان بن فودي في داليته المشهورة عن مشاعر الشوق لزيارة الرسول(ص):

هل لي مسير نحو طيبة مسرعالأزور قبر الهاشمي محمد
لما فشا رياه في أكنافهاوتكمّش الحجاج نحو محمد
غودرت أنهمل الدموع موبلاشوقا إلى هذا النبي محمد
أقسمت بالرحمن ما لي مفصلإلا حوى حب النبي محمد
أحكي المصاب بشوقه لما عرىما لي لذيذ العيش دون محمد
قد كنت شوقا أن أطير لقبرهما لي سرور دون زورة سيد
إن قيل لي ماذا يشوقك في الورىفأقول إني عاشق لمحمد
من عرش رب العالمين جنودهما في الورى مثل النبي محمد
يقول الشيخ أمير المؤمنين محمد بللو في التوسل بأهل النوبة:
يا أهل نوبة هذا الوقت للباريقصدتكم فأمدوني بأنوار
أنتم ذخيرتنا في كل نائبةوأنتم عوننا في نيل أوطار
عونا على فتح أبواب الدخول إلىحضرات وصل تداني القرب للباري
فداركوني فقد خلفت في حجبوغُلّق الباب دوني يا الأخيار

- - -

أهداف الشعر الصوفي:

الملاحظ أن الشعر الصوفي كان في أغلبه مدائح نبوية وتوسلات بالرسول والصحابة والأولياء, وقد تجلى هذا الاتجاه بوضوح في العصر الحديث ، وفي الجزائر خاصة، بعد أن تعرضت الجزائر لحملات الدول الأجنبية, وبخاصة الحملات الإسبانية، وقد عمل الأتراك العثمانيون أثناء وجودهم في الجزائر على تشجيع هذا اللون من الشعر و(وجد من الشعراء من يكتب قصة الرسول كاملة منذ ولادته حتى وفاته, أو يتحدث عن معجزاته آو يصف جماله الظاهر والباطن, ويشيد بنبوته وأخلاقه, بل من الشعراء من أرخ لغزواته وتحدث عن صحابته وأهل بيته وآثاره وفضائله... بل وجدت كتب معظمها صلوات على النبي ليس فيها من الشعر قليل أو كثير)

وقد دأب هؤلاء الشعراء على نظم قصائد المدائح كلما حل شهر ربيع الأول، وكان مدح الدايات في العهد التركي مختلطا بمدح الرسول والتوسل به, ومن المؤكد أن الاستعمار الفرنسي عمل على تشجيع هذا الشعر لأنه لم يشكل خطرا ولا تهديدا على وجوده.

المراجع

- ابن الفارض، الديوان (دار صادر، بيروت، بلا تاريخ) ص 128.
- الحلاج، الديوان (دار صادر، بيروت، ط1، 1998)، ص 34.
- الخيال، م. س.، ص 9.
- امرؤ القيس، م. ن.، ص 9.
- أبو القاسم عبد الكريم القشيري، الرسالة القشيرية (دار الكتب الحديثة، القاهرة، 1974)، ج 2، ص 715.
- د. عبد المنعم الحنفي، الموسوعة النفسية الجنسية (مكتبة مدبولي، القاهرة، ط2، 1997)، ص 74-77.
- د. علي الخطيب، اتجاهات الأدب الصوفي بين الحلاج وابن عربي (دار المعارف، القاهرة، 1404هـ)، ص 21.
- شطحات الصوفية، م. س.، ص 29.
- عبد الكريم اليافي، دراسات فنية في الأدب العربي (مطبعة جامعة دمشق، دمشق، 1963)، ص 259؛ نسيب الاختيار، م. س.، ص32؛ يوسف سامي اليوسف، ابن الفارض (دار الينابيع، دمشق، ط1 ، 1994)، ص 41-74.
- عز الدين المقدسي، نقلاً عن: د. عبد الرحمن بدوي، شطحات الصوفية (وكالة المطبوعات، ط، 3الكويت، 1978)، ص9.
- كتاب المواقف، م. س.، المقدمة، ص 8.
- محي الدين ابن عربي: الخيال: عالم البرزخ والخيال (مطبعة زيد بن ثابت، دمشق، 1984)، ص 9.
- محي الدين بن عربي. ترجمان الأشواق (دار صادر، بيروت، 1961) ص 161.
- محي الدين بن عربي: م. س.، ص 70.
- محي الدين بن عربي، الديوان (دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1996)، ص 34.
- نسيب الاختيار، الشعر الصوفي (منشورات المكتبة الأهلية، بيروت – مطبعة اليقظة، دمشق، لا ذكر للتاريخ)، ص 33.
- نسيب الاختيار، م. س.، ص 33.
- نسيب الاختيار، م. س.، ص 33.
- المتنبي، الديوان (دار المعرفة، بيروت، بلا ذكر)، ج3، ص 386.
- المخاطبات، م. س.، ص 128.
- أبو تمام، الديوان (دار صادر، ط1، بيروت، 1997)، ج1، ص 86.
- أبو حيان التوحيدي ومسكويه: الهوامل والشوامل (مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1951)، ص 282-284.
- أدونيس، زمن الشعر (دار العودة، ط2، بيروت، 1978)، ص 49.
- جان كوهن، بنية اللغة الشعرية (دار توبقال، ط1، الدار البيضاء، 1986)، ص 123.
- حمزة عبّود، كتاب المواقف، م. س.، المقدمة، وكتاب المخاطبات، م. س.، المقدمة.
- صيّاج الجهيم، رامبو (وزارة الثقافة، ط1، دمشق، 1994)، ص 38-40.
- عنترة، شرح المعلقات السبع للزوزني (المكتبة العصرية، صيدا–بيروت، ط1، 1998)، ص 197.
- كتاب المواقف، م. س.، ص 3، وفي معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة (مؤسسة الرسالة، ط1، بيروت، 1993)، ج3، ص 384.
- محمد بن عبد الجبار النِّفَّري، كتاب المخاطبات (دار العالم الجديد، بيروت، بلا تاريخ).
- محمد بن عبد الجبار النِّفَّري، كتاب المواقف (دار العالم الجديد، بيروت، بلا تاريخ).
- نديم دانيال الوزّة، ما هي قصيدة النثر؟ (مجلة البيان، العديلية – الكويت، عدد 353، 1999)، ص 40.
- يوسف سامي اليوسف، مقدمة النفري (دار الينابيع، ط1، دمشق، 1997)، ص 15-16.





فهرســــة المواضيع

1. المقدمة
2. الشعرية الصوفية
3. التقليد والتجاوز
4. التجديد والريادة
5. أمثلة
6. قضايا الشعر الصوفي
7. نماذج من الشعر الصوفي
8. أهداف الشعر الصوفي
9. المراجع
10. الفهرسة


















- - - - - - -


بتصرف




التعديل الأخير تم بواسطة سعد ناصرالدين ; 28-03-2008 الساعة 12:20 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28-03-2008, 12:15 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي

في رد على الموضوع السابق، قد كتب لي الأستاذ محمد عوكل ردا توضيحيا جاء به حرفيا ما يلي:

يمثل الأدب الصوفي لونا من ألوان الأدب الرفيع يحمل في طياته أسمى معاني وخصائص السمو الروحي. والشعر الصوفي نوع جديد قديم من أنواع الأدب الفني الذي عرفته المجتمعات الإسلامية في العصور المختلفة

أما كلمة صوفي، فيردها بعض الصوفيين إلى كلمة "الصوف" كمرجعية بسيطة تناسب نسبتها اللغوية أو للبسهم إياه. لكن نسبتها إلى الكلمة اليونانية "صوفيا" Sophia التي تعني "الحكمة" يبدو أقرب إلى الصواب، بل إلى المنطق الصوفي ذاته. فلقب "الصوفي" الذي أطلق أوّل ما أطلق على أبي هاشم الكوفي، المتوفى عام 150ه/768م، ربما كان يقصد به الحكيم؛ وباعتبار أن الصوفية العربية أخذت بمبدأ الاتحاد والحلول،



. . . .


لا ضرر حين نعتقد ان التصوف عائد اسمة ومسماه لليونان او للباس الصوف لتلوين النفس بالصبر والتخشن في مراحل التصوف الاولي او نسبة لاهل الصُفة .
الحق بأن الصوفي لا يطلق على نفسه هذا الخُلق او الاسم الاصح لغة ً (صفا فصوفي حتى سمي لصوفي).

اما بالنسبة للتصوف الاسلامي او الطريق الى الله وصولا للتوحيد الحق وامتثالا لاوامرالله عزوجل
ومنتهاه حب الله ومخالفة النفس الشيطان والهوى لا يتفق مع الحلول ولا الاتحاد ابدا ابدا.كما لايجتمع النور واظلام,
ولكن علوم المتصوفة عاليه جدا بعلو صفاء ارواحهم وقربهم من الله ولا تفتح أبواب الرؤيا والحب ورؤية سيدنا رسول الله علية السلام للخارجين عن اهم مبادئ الايمان وانها ان يكن المسلم لله عبدا ً كماانه له ربا ً وعبوديتة لله دائمة بدوام الله ولا يوجد حاجة اسمها حلولا ولا اتحادا ( الحلول كالماء والملح حين يذوب بكاس واحدة والاتحاد انا وربنا تنزة عن ذلك لاشريك له شيء واحد).

سيدي خلاصة حديثي ان الله عز وجل جعل العلم مراتب والناس وحتى الرسل والملائكة الكرام مراتب
وخيرأ لعلوم هي التي تخص المولى عز وجل قال تعالى(الرحمن فسأل به خبيرا).فخصص وسمى اهل معرفته اي العارفين باالله خبراء ولم ارى بكلام احدهم اي السيد الجليل محي الدين بن العربي صاحب الفتوحات المكية او الحلاج الذي اقيم عليه الحد لانه يرى ان الله الفاعل لكل شيء حين اخذة الحال وصرخ مافي الجبة الا الله ولا يعني ابدا تحديدا لله او حلولا بل حينما ننظر ننظر بنور الله ونسمع ونتحرك ونمشي كل شيء قائم بالله عزوجل ونحن وكل شيء دونة عدم محض مخلوقين عاجزين مفتقرين جدا له قائمين به عائدين اليه .
ارجو المعذرة للاطاله خوف ان تشتبك المعاني والله من ورآء القصد.
اخيراً حين نقرأ شيئا لا نفهمة نعود لصاحبة نناقشة فيه لتطمئن قلوبنا لاكن ما كان يحصل ان بعض اخواننا ياخذون بظاهر الكلام بالذات بلغة التصوف التي من صفاتها ان كل انسان ياخذ منها قدر فهمه ُ
وسعته وانها مغلقه على اهلها.
على سبيل المثال المسلم المبتدئ يكون انقياديا صلي ينفذ صوم يصم لاتفعل كذا لايفعل وهكذا
لا تذوق للايمان بعد يسمى هذا عند المتصوفه الايمان الانقيادي وان استمر بالانقياد ابتغاء وجه الله
عوضة الله بحلاوة يتذوقها بقلبة فيشعر بحلاوة الايمان ويتقدم طالما استمر حتى يرتقي للايمآن الشهودي اي ان يعبد الله كانه يراه وان لم يستطع ان يراقب افعالة اعتقد ان الله هو الذي يراقبه والاول اقوى شهودا وعلما ولله في خلقة شئوون

اللهم لك الحمد والثناء علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وتولنا بولاية الحمد انك انت الحميد المجيد .
محمد عوكل


....
فالشكر لرده أينما كان الأستاذ محمد عوكل الآن
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14-02-2010, 12:07 AM
صخر الجزيرة صخر الجزيرة غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: الرياض
المشاركات: 594
افتراضي التصوف معناه ومدلولاته من وجه نظر المتصوفين

التصوف
التصوف اصطلاحاً
إذا أردنا أن نعرف التصوف في الاصطلاح فلا بد من الرجوع إلى أقوال الصوفية في ماهية التصوف وكذلك أقوال أصحاب الطرق.
ومنـذ نشأة الصوفية إلى يومنا هـذا حـدث في التصوف تشعبـات كثيرة وانحرافات عن منهج الأوائـل وكثـرت أقوالهم فـي حقيقـة التصوف إلى ما يزيد على ألف قول، وكل قول مـن هـذه الأقـوال يشيـر إلـى أهم جانب في التصوف عند قائله سواءً بالنظر إلى الطريقـة أو الخلق أو الغاية، أو بالنظـر إلـى حاجـة الصوفـي أو مـن حوله وبالنظر إلى حاله والخطأ الذي يريد أن يقومه ولا تخلو أقوالهم من جانـب في الجوانـب التاليـة:
1- التصوف بمعنى الزهد :

- قال سمنون : التصوف أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء.

- وقال معروض الكرخي : التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق

- وقال النوري : التصوف من لا يتعلق بشيءٍ ولا يتعلق به شيء.

- وقال ذو النون المصري : الصوفي من لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب

2- التصوف بمعنى الأخلاق :

- قال أبو محمد الجريري : التصوف الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دنى.

- وقال الكتاني : التصوف خُلق فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الصفاء.

3- التصوف بمعنى الصفاء :

- قال سهل بن عبد الله : الصوفي من صفا من الكدر ، وامتلأ من الفكر ، وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر.

- وقال بشر الحافي : الصوفي من صفا لله قلبه.

- وقال الشبلي : التصوف الجلوس مع الله بلا هم

4- التصوف بمعنى المجاهدة :

- قال الجنيد : التصوف عنوة لا صلح فيها. والمراد بالعنوة الجد والتعب والمراغمة.

- وقال عمرو بن عثمان المكي : التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت

5- التصوف التزام بالشريعة :

- قال أبو حفص : حسن آداب الظاهر عنوان حسن آداب الباطن لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه".

- وقال الجنيد : التصوف بيت والشريعة بابه.

- وقال محمد بن أحمد المقرئ : التصوف استقامة الأحوال مع الله.

- وقال أبو عمر بن الجنيد : التصوف الصبر تحت الأمر والنهي

6- التصوف بمعنى التسليم الكامل لله :

- قال الأستاذ أبو سهل الصعلوكي : التصوف الإعراض عن الاعتراض.

- وقال رويم : التصوف استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريده.

- وقال أبو يعقوب المزايلي عن التصوف : حال تضمحل فيه معالم الإنسانية .

7- التصوف بمعنى الإخلاص " الغاية وجه الله " :

- قال الجنيد : التصوف أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة.

- وقال ذو النون المصري : أهل التصوف هم قوم آثروا الله عز وجل على كل شيء ، فآثرهم الله على كل شيء.

- وقال أبو الحسين النوري : التصوف ترك نصيب النفس جملة ليكون الحق نصيبها .

8- التصوف بمعنى الارتباط الروحي بالله :

- قال أبو نصر الحصري : الصوفي الذي لا تقله أرض ولا تظله سماء.

- وقال أبو الحسن الخرقاني : ليس الصوفي بمرقعته وسجادته ، ولا برسومه وعاداته بل الصوفي من لا وجود له.

- ونُسب إلى الجنيد قوله : التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به .

9- التصوف ترك التكلف والشكليات :

- قال الجنيد : إذا رأيت الصوفي يعنى بظاهره فاعلم أن باطنه خراب.

وقال حماد الدينوري : التصوف أن تظهر الغنى وأن تؤثر أن تكون مجهولاً حتى لا يعرفك الخلق وأن تكف عن كل ما لا خير فيه .

10- التصوف بمعنى الطريق المخصوص للسالكين :

- قال الجنيد : الصوفية هم أهل بيت واحد ، لا يدخل فيهم غيرهم.

- وقال أبو سليمان الداراني : التصوف أن تجري على الصوفي أعمال لا يعلمها إلا الحق وأن يكون دائماً مع الحق على حال لا يعلمها إلا هو .

وبالنظر في الأقوال المتقدمة نجد أن كل تعريف من تعريفات أئمة التصوف والمنتسبين إليه يشير إلى جانب من الجوانب، وهذه الجوانب مجتمعة تشير إلى جوانب عظيمة من جوانب هذا الدين فالتصوف السني ينبغي أن يتوفر فيه جميع ما ذكر من زهد وإخلاص ومجاهدة وخلق كريم وتسليم لرب العالمين والتزام بشرعه وترك للتكلف، وأن يلتزم المنتسب إلى الله تعالى بالعبادة الدائمة لله عز وجل كما أمر، والبعد عن كل ما نهى الشارع عنه، وعن البدع المضلة وعن الفكر الغريب والفلسفات الباطلة.

ويترجح لدينا بعد عرض تلك التعريفات تعريف ابن خلدون للتصوف لأنه يدل دلالة واضحة على معاني التصوف المتعددة وعلى أحوال الصوفية واهتماماتهم وهو " العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والإنفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ".

ممارسات الخاطئة ليست من التصوف الإسلامي الصحيح
التحق بالصوفية بعض الْمُدَّعين للتصوف ممن لا دين لهم ولا صلاح ولا علم بالكتاب والسنة، وهم الذين يُشَوِّهُون صورته، لذلك لا يجوز أن يَحْكُم الناس على التصوف بما يرونه من هؤلاء الْمُدَّعين، فهؤلاء قد اتخذوا طريق التصوف سُلَّما لتحصيل أغراضهم وشهواتهم وابتدعوا فيه بِدَعًا ما أنزل الله بها من سلطان، وزعموا أنها الحقيقة، وأنهم يجوز لهم ما يكون مُحَرَّما في الشريعة، وكذبوا فإن الشريعة والحقيقة صنوان، وما خالفت الحقيقةُ الشريعةَ قط إلا في نظر جاهل، فمثل هؤلاء ليسوا من التصوف في شيء.
ومن الظلم البَيِّن أن يعترض بعض الناس بفعل هؤلاء الجهلة ويجعله حجة على التصوف والصوفية، فما التصوف إلا اتباع الكتاب والسنة، وما الصوفية إلا قوم جاهدوا أنفسهم في الله، فهداهم الله، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين.([4])
وليس من التصوف الإسلامي: الكذب على الله، والدعاوى العريضة، والبلادة، والبطالة، والجهالة بدين الله، وادعاء الولاية، والمتاجرة بالكرامات، وليس منه ما يحدث في الموالد من اختلاط محرَّم، ومباذل وسفاسف لا يرضاها عاقل، وادعاءات فضفاضة وتغييب للعقول. وليس منه أيضا ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين والسحر والألفاظ الأعجمية والساذجة، واستغلال ذلك في جذب مريد التربية.
وأما ما قيل بأن من شعائر الصوفية تقديس القبور والدعوة إلى زيارة أضرحة أولياء الله الصالحين، فمردود أيضا؛ وهو دعوى مجردة من الدليل، ونصوصهم بين أيدينا ليس فيها أن ذلك ركنا من أركان التصوف أو قاعدة من قواعده، أو مقاما من مقامات السلوك، ولم يستحب الصوفية الحقيقيون من ذلك إلا ما استحبته الشريعة ولم يجوزوا أو يمنعوا إلا ما أجازته أو منعته، فزيارة الأضرحة ليست جزءا من السلوك الصوفي ولا هي مقام من مقامات الطريق ولا منزل من منازله، ولو طمست كل الأضرحة - لا قَدَّر الله - ما طمس الطريق الصوفي ولا اختل منه شيء.
ولا يعدو ما وقع في كلامهم حوله أن يكون ضمن الكلام على الآداب المتعلقة بأفعال السالك سواء في علاقته مع ربه أو شيخه أو إخوانه أو نفسه أو ما في الأكوان، فلا يتجاوز كلامهم فيه الكلام عن أدب من الآداب الشرعية، فلقد حثَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على زيارة القبور، فقال: "فزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ"([5]) وأولى القبور بالزيارة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبور آل البيت النبوي الكريم؛ لأن في زيارتهم ومودتهم برًّا وصلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قبور الأولياء والصالحين.
والصلاة في القبور المنهي عنها ليست هي الصلاة في المسجد الذي به ضريح سواء اتصل الضريح بالمسجد أو انفصل عنه، لأن الصلاة في هذه المساجد صحيحة ومشروعة وقد تصل إلى درجة الاستحباب، بدليل قوله تعالى {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] فوجه الاستدلال بالآية أنها ذكرت القولين - وهما نبني عليهم بُنيانا أو لنتخذن عليهم مسجدا - دون استنكار، ولو كان فيهما شيء من الباطل لكان المناسب أن تشير إليه وتدل على بطلانه. قال الرازي في تفسير الآية: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} نعبد الله فيه، ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد. ([6])
ومن السنة حديث أبي بصير الذي رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، أن أبا بصير كان في سيف البحر وحضرته الوفاة، وقد بعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليه برسالة هو ومَن كان معه يأمرهم بالرجوع إلى بلادهم، فمات أبو بصير وكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وبني على قبره مسجدا([7]).
وأما استدلالهم على عدم جواز الصلاة في هذه المساجد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا"([8]) وفي رواية لمسلم زاد: "قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ"([9])- فغير مُسَلَّمٍ؛ لأن علماء الأمة لم يفهموا من هذا الحديث أن المقصود النهي عن اتصال المسجد بضريح نبي أو صالح، وإنما فسروا اتخاذ القبر مسجدا تفسيرا صحيحا، وهو أن يُجْعل القبر نفسه مكانا للسجود، ويسجد عليه الساجد لمن في القبر عبادة له. وبهذا تبين لنا أن ما يفعله الصوفية في بناء الأضرحة وزيارتها أمر لا حرج فيه. والله أعلم.



المصادر والمراجع
1) الاستيعاب، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، دار الجيل .
2) التصوف الإسلامي – رياضة روحية خالصة، د. سعيد مراد (رئيس قسم الفلسفة – آداب الزقازيق)، القاهرة : عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية ، 2002 م .
3) التصوف الإسلامي في ميزان الكتاب والسنة، د. عبد الله يوسف الشاذلي (الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف)، مصر : طنطا ، مكتبة الأزهر الحديثة ، 2001 م .
4) التصوف في الإسلام وأهم الاعتراضات الواردة عليه، د. محمد عبد اللطيف العبد (أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية سابقا – دار العلوم – جامعة القاهرة) ،، القاهرة: دار النصر، ط 2، 1419 هـ / 1999 م.
5) السيرة الحلبية المسماة : (إنسان العيون فى سيرة الأمين المأمون) ، على بن برهان الدين الحلبى الشافعى ، القاهرة : مصطفى البابي الحلبي .
6) الطبقات الكبرى، ابن سعد، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر – بيروت، الطبعة الأولى، 1968 م.
7) الطرق الصوفية فى مصر نشأتها ونظمها وروادها ، للدكتور عامر النجار ، القاهرة : دار المعارف ، ط 5 ، د ت .
8) الطريق الصوفى وفروع القادرية بمصر ، للدكتور يوسف زيدان ، بيروت : دار الجيل ، ط 1 ، 1411 هـ / 1991 م .
9) حسن التلطف في بيان وجوب سلوك التصوف، عبد الله الغماري، القاهرة: مكتبة القاهرة ، 1415هـ / 1994م.
10) صحيح البخاري، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، بيروت: دار ابن كثير، اليمامة، الطبعة الثالثة ، 1407 هـ - 1987م.
11) صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت : دار إحياء التراث العربي.
12) كشف المحجوب ، الهجويري، دراسة وترجمة وتعليق: د. إسعاد عبد الهادي قنديل، القاهرة : المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1394هـ/ 1974م.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 14-02-2010, 12:17 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي

شكرا لك صخر الجزيرة

وسأنقل هنا رأي ابن تيمية في أمر الصوفية:

انتقد ابن تيمية رحمه الله الصوفية
فمع أنه مدح بعض نواحيها، إلا أنه انتقد الصوفية في منهاجهم الصوفي في كير من أمورهم ؛ منها :
1. أنهم - في نظره - قد عظَّموا الإرادةَ القلبيةَ وذمُّوا الهوى ، وأهملوا النظرَ العقليَّ . ثم إن كثيرًا منهم لم يميز بين الإرادة الشرعية الموافقة للكتاب والسنة ، وبين الإرادة البدعية المخالفة لهما ؛ ففهم على عكس المتكلمين الذين عظَّموا النظر ، وأعرضوا عن الإرادة القلبية ، لكنهم مثل الصوفية في عدم الاعتصام بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
2. وأشار إلى أن من أخطاء الصوفية : أنه تقع لهم في بواطنهم أشياء ، فيظنون أنها في الخارج ؛ فمن ذلك : أن جماعةً منهم عندما يغلب عليهم الذكر والمحبة والمعرفة ، وينعكس ذلك على قلوبهم ، ويحصل لهم ذوقٌ واستغراقٌ : يظنون أن ما يجدونه في باطنهم أمرٌ مشهودٌ بعيونهم ، فيدَّعون أنهم يرون الله تعالى بأبصارهم ، وهذا غلط وضلال ؛ لأن أهل السنة متفقون على أن الله لا يراه أحدٌ بعينيه في الدنيا ؛ لما رواه مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { واعلموا أن أحدًا منكم لن ير ربه حتى يموت }

3. وانتقدهم كذلك ابن تيمية في بعض سلوكياتهم ، منها : أن طائفةً منهم تدعي أن أكل الحشيشة المخدرة تنشط على أداء الصلوات ، وتعين على استنباط العلوم وتصفية الذهن ؛ حتى أنهم يسمونها معدن الفكر والذكر ، ومحركة الغرام الساكن ، وهذا كله من خدع النفس ومكر الشيطان بهؤلاء ؛ لأن تلك الحشيشة هي عمى للذهن ، تجعل آكلها أبكمَ مجنونًا ، لا يعي ما يقول .

4. ومن مواطن نقده لهم : أنهم يروون أحاديث في السماعِ عن النبي صلى الله عليه وسلم ليست صحيحة ، بل هي باطلة موضوعة باتفاق أهل العلم ؛ كقولهم أنه صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت بردته ، وأنه مزق ثوبه ، وأخذ جبريل بعضه وصعد به إلى السماء .

5. وأعاب ابن تيمية على أبي حامد الغزالي تقسيمه للذكر إلى ثلاثة مراتب؛ الأولى : قول العامة لا اله إلاّ الله ، والثانية : قول الخاصة الله ، الله، والثالثة : قول خاصة الخاصة ، هو ، هو ، وبدَّعَهُ في ذلك ؛ لأن الذكر المفرد : الله ، الله والمضمر : هو ، هو : بدعة في الشرع ، وخطأ في القول واللغة ؛ لأن الاسم المفرد ليس هوكلامًا ، ولا إيمانًا ، ولا كفرًا ، والمضمر ليس بمشروع ، ولا هو بكلام يعقل ، ولا فيه إيمانٌ ، وهومعارضٌ للشرع ؛ لأنه قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {أفضل الذكر بعد القرآن ؛ وهي من القرآن : سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلاّ اللّه ، والله أكبر } ) ، وفي حديث آخر : { أفضل الذكر لا إله إلاّ اللّه }


6. وكفّر ابن تيمية كبارَ الصوفية الاتحاديين القائلين بوحدة الوجود ؛ كعمر بن الفارض المصري ( ت 632 هـ /1234 م } ، ومحي الدين بن عربي الطائي الأندلسي ( ت 638 هـ/ 1240 م ) ، وقطب الدين بن سبعين الإشبيلي ( ت 669 هـ / 1270 م ) ، وعفيف الدين التلمساني ( ت 690 هـ / 1291 م ) ، وعدَّهم من ملاحدة الاتحادية ، وجعل كفرهم أطم من كفر اليهود والنصارى ، وقال عن ابن عربي : { مع كونه كافر : فهو أقرب الاتحاديين إلى الإسلام ؛ لما يوجد في أقواله كثير من الكلام الجيد ، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره ، بل هوكثير الاضطراب فيه ،

7. وذكر ابن تيمية أن الشيخ العز بن عبد السلام كان قد كفَّر ابن عربي ؛ لقوله بقدم العالم ، قبل أن يُظهر قوله بوحدة الوجود ، من أن العالم هو الله ، وصورة له ؛ وهذا أعظم من كفر القائلين بأزلية الكون ، ثم حكى ابن تيمية عن نفسه أنه كان ممن يُحسن الظن بابن عربي ، ويعظمه ؛ لما في كتبه من فوائد ، كما في الفتوحات المكية ، والدرة الفاخرة ، لكنه غيَّر رأيه فيه عندما اطلع على كتابه فصوص الحكم ونحوه ؛ لما فيه من الكفر الباطن والظاهر ، وباطنه أقبح من ظاهره ، وهويمثل مذهب وحدة الوجود.


8. ونستنتج مما ذكرناه عن نقد علماء الحنابلة للتصوف وأهله -خلال القرنين الهجريين السادس والسابع : أنهم وجَّهوا لهم انتقاداتٍ مستْ منهاجَهم وسلوكياتِهم ، فانتقدوهم في أنهم أقاموا منهجهم على أساس من العاطفة والإرادة القلبية ، ولم يلتزموا بالشرع في تأسيسه وتقويمه ، ولم يعطوا للعقل مكانته ، في سلوكياتهم أنكروا عليهم كثرة المظاهر السلبية المنتشرة بينهم ، والمخالفة للشرع ؛ الأمر الذي فتح مجالاَ واسعًا لكبار علماء الحنابلة ، من انتقادهم ، والتشهير بهم ، كما فعل ابن عقيل ، وابن الجوزي ، وابن تيمية ، وهي مجهودات تصب كلها في تيار نشاطهم العلمي النقدي ، الذي مسَّ مختلفَ العلوم النقلية والعقلية والأدبية .



............ لهذا، فإن المغالاة في الشيء، كأنها ضده والاسلام دين علم وعمل، ولا كهنوتية في الإسلام
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بحور الشعر سعد ناصرالدين قسم تعليم اللغة العربية 1 09-03-2010 01:55 PM
الشعر الحر (1) سعيد حسونة قسم تعليم اللغة العربية 0 23-03-2008 10:24 PM
النثر، فيي الشعر الجاهلي سعد ناصرالدين قسم الدراسات الأدبية 0 23-03-2008 01:07 AM
أهم عناصر الشعر سعد ناصرالدين قسم الدراسات الأدبية 0 23-03-2008 01:01 AM
الشعر الحر عجز ام قدرة ؟؟ سعيد حسونة قسم تعليم اللغة العربية 1 22-03-2008 09:25 PM