#1  
قديم 06-01-2010, 02:27 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي الشعر والنثر عند أبي العتاهية

النثر عند أبي العتاهية

المقدمة: نسبه ونشأته:
أبو العتاهية، كنية غلبت عليه، واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، العنزي، أبو إسحاق، وأمه أم زيد بنت زياد المحاربي مولى بني زهرة .
أبو العتاهية، من قبيلة عنزة، ولد في عين التمر سنة 130 هـ/747 م، ثم أنتقل إلى الكوفة، كان بائعا للجرار، مال إلى العلم والأدب ونظم الشعر حتى نبغ فيه، ثم انتقل إلى بغداد، وأتصل بالخلفاء، فمدح المهدي والهادي والرشيد.
أما سبب كنيته بأبي العتاهية، ففيه قولان: احدهما أن الخليفة المهدي قال يوما له: "أنت إنسان متحذلق مُعتَّته
فاستوت من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه وكنيته، وسارت له بين الناس.
والقول الثاني لمحمد بن يحيى، قال: "كني بأبي العتاهية إذ كان يحب الشهرة والمجون والتعته"
وليس من الغريب أن تستوي له هذه الكنية، فقد كان في شبابه يعاشر الخلفاء ويحمل زاملة المخنثين.
نشأ أبو العتاهية في الكوفة ، ((حتى إذا نضجت صناعة الشعر فيه، أمَّ بغداد فاتصل ببلاط العباسيين ومح المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافة المأمون وقد بلغ الثمانين،وقبل البحث في شعره، نذكر نقطتين لم يوضحهما مؤرخوه تمام الإيضاح وهما، نسبه وزندقته، فقد ذكر بعض المؤرخين وتبعهم المستشرقان نكلوسون وهوار أن أبا العتاهية عربي الأصل. وإذا راجعت ما أورده الأصفاهاني وابن خلكان ومن نقل عنهما رأيتهم يتفقون على نسبته إلى عنزة بالولاء/ ففقي الأغاين عن محمد بن موسى قوله: ولاء أبي العتاهية من قبل أبيه لعنزة، ومن قبل أمه لبني زهره))
ويظهر من صفته أنه كان إلى الأنوثة أميل منه إلى الرجولة، فقد كان قضيفا أبيض اللون، أسود الشعر، له وفرة جعدة وهيئة حسنة ولباقة"
وكان في أول أمره يبيع الجرار الخضر، يحملها في قفص على ظهره، ويدور في الكوفة، وقيل : "بل كان يفعل ذلك أخوه زيد" وسئل بذلك فقال: "أنا جرار القوافي وأجر جرار التجارة." على أن عبدالحميد بن سريع ، مولى بني عجل، يقول: أنا رأيت أبا العتاهية، وهو جرار يأتيه الأحداث والمتأدبون فينشدهم أشعاره، فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبونا فيها"
ولكن نفسه الميالة إلى الشعر، جعلته يترك هذه المهنة ويزاول الشعر، فانطبع عليه، حتى صار فيه كما قال عن نفسه: "لو شئت أن أجعل كلامي كله شعرا، لفعلت" وربما لم يغالِ في قوله هذا ، فقد روي أنه "كان حلو الإنشاد، مليح الحركات، شديد الطرب، أقدر الناس على وزن الكلام، حتى أنه كان يتكلم بالشعر في جميع حالاته، ويخاطب به جميع الناس"
ويظهر من قول الأغاني أنه كان " غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الأتفتنان، قليل التكلف، إلا أنه مع ذلك كثير الساقط المرذول".
وهذا الحكم عليه يؤيده الأصمعي بقوله: "شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيه الجوهر ولاذهب والتراب والخزف والنوى"
على أن هذا لم يمنع سلم الخاسر والفراء أن يقولا: "إنه أشعر الإنس والجن" ولا منع مصعب بن عبدالله أن يقول: "هو أشعر الناس" ولا ابن الأعرابي أن يقول: "لم أر شاعرا قط، أطبع ولا أقدر على بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر".
أغر مكثر، سريع الخاطر، في شعره إبداع، يعد من مقدمي المولدين، من طبقة بشار بن برد وأبي نواس وأمثالهما. كان يجيد القول في الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر في عصره.
وكان يُقال: "أطبع الناس ثلاثة: بشار والسيد الحميري وأبو العتاهية، وما قدر أحد على جمع شعر هؤلاء الثلاثة لكثرته".
بيد أن مثل هذه الأحكام، كانت كثيرة عند أدباء تلك الأيام، فكان حسب الواحد منهم أن تروى له أبيات الشاعر فيستحسن منها بيتا أو بيتين فيحكم له بالتفوق، فهي أحكام إذاً لم تكن مبنية على نقد صحيح وتحليل دقيق.
"زندقته":
جاء قبل قليل في المقدمة، أن بعض المؤرخين قد نسبوا له الزندقة، واتهموه بالتزام مذهب الفلاسفة ولكن، ليس في شعره ما يثبتهما، ولم يذكره ابن النديم في جملة شعراء الزنادقة الذين عاصروا أبا العتاهية. وكل ما رأينا (على لسان الأستاذ انيس المقدسي في كتاب أمراء الشعر العرب) من هذا القبيل أن قوما من أهل عصره كانوا ينسبونه إلى الوق بمذهب الفلاسفة ويجتجون بأن شعره إنما هو في ذكر الموت دون الآخرة ، وهو ليس بصحيح. وقد توهم المستشرق كولدزيهر من البيت التالي:
إذا أردت شريف الناس كلهم فانظر إلى ملك في زي مسكين
إن الشاعر ينوه بفضل بوذا . ولاحق ما ذكره نكلسون من أن ذلك لا يراد بيه غير وصف التقي الزاهد، ودون الإشارة إلى شخص خاص ، وما نسب فيه إلى الزندقة الأبيات التالية :
إذا ما استجزت الشك في بعض ما ترى فما لا تراه الدهر أمضى وأجوز
فليس في هذه الأبيات أو غيرها عند التحقيق، غير مبالغات خيالية قد تجري على لسان المؤمن لتقرير أو إيضاح معنى شعري. ونقلوا عن الصولي قوله بالجوهرين المتضادين كلاثنوية ، وقوله بالجبر وما شاكل . وقد جاراهم العلامة زيدان فقال في تاريخه وكان أبو العتايهية سوداوي المزاج كثير التردد في أمر الدين فتقلب على أطوار شتى شأن الذين يحلون أنفسهم من قيود الدين وينظرون فيه نظر الناقد ... على أن الناظر في شعره لا يجد فيه غير رجل متزي بزي الفقراء متغن بأناشيد الزهد. وليس فيه أثر لنظر نقدي في الكون أو لنزعة فلسفية في الدين.
اتصال أبي العتاهية بالخلفاء:
كان أبو العتاهية قد قدم من الكوفة إلى بغداد مع إبراهيم الموصلي، ثم افترقا ونزل الشاعر الحيرة، ويظهر أنه كان قد اشتهر في الشعر لأن الخليفة المهدي، لم يسمع بذكره حتى أقدمه إلى بغداد، فامتدحه أبو العتاهية ونال جوائزه، واتفق أن عرف الشاعر عتبة جارية المهدي، فأولع بها وطفق يذكرها بشعره، فقضب المهدي وحبسه، ولكن الشاعر استعطفه بأبيات، فرق له المهدي وخلى سبيله.
ثم ا تصل بموسى الهادي، بعد موت المهدي، ثم بالرشيد بعد الهادي، فنادمه، ولكنه ما لبث أن ترك منادمته، وعدل عن قول الشعر إلى التصوف، وكسر جرار الخمر، وتزهد ، وأخذ يذكر الموت وأهواله، فحبسه الرشيد، ثم رضي عنه، فأطلقه فعاد إلى الشعر، ولكنه ترك الغزل والهجاء حتى توفي.
وقد توفي في بغداد، أختلف في سنة وفاته فقيل سنة 213 هـ ، 826 وقيل غيرها.
مذهبه الفلسفي في الشعر وفي النثر:
كان أبو ا لعتاهية حرّ التفكير، وكان أهل عصره ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة ممن لا يؤمن بالتبعث، ويحتجون بأن شعره إنما هو في ذكر الموت والفناء دون ذكر النشور والمعاد.
وفي الأغاني: "إن مذهبه كان القول بالتوحيد، وإن الله خلق جوهرين متضادين لا من شيء، ثم إنه بنيى العالم هذه البنية منهما، وإن العالم حديث العين والصنعة لا محدث له إلا الله."
وكان يزعم أن الله سيرد كل شيء إلى الجوهرين المتضادين قبل أن تفنى الأعيان.
ولكن، ما هما هذا الجوهران المتضادان اللذان كان يزعم أن الله خلقهما ؟ أهما النفس ولامادة أم هما شيء آخر؟ هذا ما لم يجد أحد له تعريفا .
وكان يذهب إلى "أن المعارف واقعة بقدر الفرك والبحث والاستدلال طباعا، ويقول بالوعيد وتحريم المكاسب، ويتشيع بمذهب الزيدية والبترية المبتدعة لا يتنقص أحدا ولا يرى مع ذلك الخروج على ا لسلطان، وكان مجبرا"
ويظهر مما رُوي عنه أنه كان يذهب أيضا مذهب المعتزلة ويقول بخلق القرآن، فقد حدث أبو شعيب صاحب ابن أبي داؤد قال:
قلت لأبي العتاهية: القرآن عندك مخلوق أم غير مخلوق؟
فقال: اسألتني عن الله أم عن غير الله؟
قلت: عن غير الله.
فأمسك وأعدت عليه فأجابني هذا الجواب، حتى فعل ذلك مرار، فقلت له : ما لك لا تجيبني؟
قال: قد أجبت، ولكنك حمار
غير أن العباس بن رستم يقول: "كان أبو العتاهية مذبذبا في مذهبه، يعتقد شيئا، فإذا سمع طاعنا عليه، ترك اعتقاده إياه، وأخذ غيره"
بخل أبي ا لعتاهية:
اشتهر أبو العتاهية ببخله، ويقول ثمامة بن اشرس عنه: "إنه، على حبسه في داره سبعا وعشرين بدرة، لم يكن يزكي وكان شحيحا على نفسه، فلم يكن يشترى اللحم إلا من عيد إلى عيد".

حياة الشاعر الأدبية:
تظهر لنا حياة أبي العتاهية في مظهرين: حياة الغزل والمنادمة، وحياة الوعظ والتقشف.... فقد جمع المؤرخون أن الشاعر كان في أول أمره يعيش كسائر شعراء عصره فيمح ويرثى ويتغزل وفي القصيدة التي أندشها يوم تولي المهدي الخلافة ما يدل على علو كعبه في باب المديح فقد روي أن الشاعر بشارا سمعه ينشد هذه القصيدة التي يقول فيها:
أتته الخلافة مناقدة إليه تجرر أذيالها
ولم تك تصلح الا له ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تعطعه بنات القلوب لما قبل الله أعمالها

فاهتز بشار طربا وقال لمن حوله: ويحكم، انظروا ألم يطر الخليفة عن أعواده؟
وله في الغزل أيضا لطائف تذكر ،ولقد انصرف في أول عهده إلى حياة اللهو والتهتك واشتهر بها حتى زعموا أنه كني بأبي العتاهية لأنه كان يحب التهتك والمجون والتعتة.
ولكنه لم يكد يبلغ الخمسين حتى تحول عن سبيلهم. وكان ذلك على ما رواه صاحب الأغاني في خلافة الرشيدز قال: "كان أبو العتاهية لا يفارق الرشيد في سفر ولا حضر إلا في طريق الحج، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والمعادن. فلما قدمالرشيد الرقة (وذلك سنة 181هـ) لبس الشاعر الصوف وتزهد، وترك حضور المنادمة والقول في الغزل" ... فما الذي دفعه إلى ترك ما كان عليه الشعراء والتزم طريقة الزهد والتنسك؟ سؤال جدير بالنظر. ولا بد لنا قبل الإجابة عغليه من أن ننظر فيما يلي:
1. حالته النفسية واستعداده الفطري لذلك.
2. تأثر نفسه بتهتك معاصرية وتماديهم في أسباب الترف
3. فشله في حبه لفتاة من جواري المهدي.
4. ميله إلى الطريقة الزهدية في الشعر

أما استعداده الفطري فليس لنا من دليل صريح عليه ولكننا نستنتج مما عرف عن أبي العتاهية من حب المال والحرص على الدنيا، أنه كان ذا نظر في العواقب وعلى كل شيء، حتى في أبان شبابه، من ضبط النفس مما لا نراه عادة في متهتكي عصره، فلم يكن شديد الميل إلى الانفاق في سبيل الشهوات، وبكلمة أخرى، لم تكن مشاركته لزملائه في مجونهم أيام شبابه لتقتل فيه ميله إلىالحرص والرزانة جاراهم ولكن إلى حسن، يتراجع عنه مشمئزا مهيبا بالآخرين أن يسلكوا سبي الرشاد، وان يعتبروا بظروف الزمان. ولا نشك أنه كان لعصره تأثير عليه، وإن ذلك التأثير تحول إلى عاطفة شعرية مغايرة لعواطف زملائه يومئذ. فترك الغزل والمنادمة واختط لنفسه اسلوبا آخر أحب أن ينفر فيه، فقد نقل ابن منظور عن أب مخلد الطائي قوله: "جاءني أبو العتاهية فقال لي: ان أبا نواس لا يخالفك، وقد أحببت أن تسأله ألا يقول في الزهد شيئا، فإني قد تركت له المديح والهجاء ولاخمر والرقيق وما فيه الشعراء وللزهد شوقي. فبعثت إلى أبي نواس فجاء إلي وأخذنا في شأننا . فقلت لأبي نواس أن أبا اسحق (أبا العتاهية) من قد عرفت جلالته وتقدمه، وقد أحب أنك لا تقول في الزهد شيئا. فوجم أبو نواس عند ذل وقالك: يا أبا مخلد، قد قطعت علي ما كنت ا؛ب أن أبلغه من هذا.. ولا أخالف أبا ساحق فيما رغب إليه " فأبو العتاهية إذن اصطنع الزهد واتخذه طريقة فنية مندفعا إليه بشوق نفسه إلى هذا النوع من الشعر، وإذا صح ما زعمه الأستاذ أنيس المقدسي من استعداد أبي العتاهية للزهدالاستعداد الفطري، وأنه مجاراة لهذا الاتسعداد رأي أن ينفرد بالزهد دون سائر أبوبا الشعر، بقي أن ننظر في المحرك المباشر الذي حرك في نفسه شهوتها الزهدية وحبب إلى ترك حياته الأولى. وهذا المحرك هو على ما يوقول المؤرخون فشله في حبه لعتبة جارية الخيزران ام الرشيد وفي ذلك يقول المعري:
الله ينقل من شا ء رتبة بعد رتبة
ابدى العتاهي نسكا وتاب عن حب عتبه
وعن المسعودي أن أبا العتاهية لبس الصوف ليأسه من عتبة ، وكان ذلك أيام الرشيد. وقد آثر السجن على أن يرجع بعدها إلى قول الغزل أما أنه أحب هذه الجارية حبا شديدا فذلك ما أجمع عليه المؤرخون. وهذا بعض غزله فيها:
يا عتب سيدتي اما لك دين حتى متى قلبي لديك رهين
وأنا الذلول لكل ما حملتني وأنا لاشقي البائس المسكين
وأنا الغداة لكل باك مسعد ولكل حب صاحب وخدين
لا بأس إن لذاك عندي راحة للصب أن يلقى الحزين حزين
يا عتب أين أفر منك أميرتي وعلي حصن من هواك حصين

كيف يقول الشعر وما رسالته في شعره:
قيل لأبي العتاهية: كيف تقول الشعر؟ قال: ما أردته قط، إلا مثل لي، فأقول ما أريد، وأرك ما لا أريد.
وقال روح بن الفرج: جلست إلى أبي العتاهية، فسمعته يقول: لو شئت أن أجعل كلامي شعرا لفعلت.
على أنه كانت له أوزان لا تدخل في العروض، ولما سئل: هل تعرف العروض؟ أجاب: أنا أكبر من العروض.
وخروجه على العروض، يدل على أنه كان يميل إلى التجدد الشعري في عصره إن لم يكن أحد مؤسسيه. فقد حرر نفسه من التقيد بالمعاني والألفاظ والأوزان، فأتى بمعان جديدة، ونظم على أوزان جديدة، لا تدخل في العروض، وكان شعره متأثرا بالأدب الفارسي والحكمة اليونانية، وهو أول من فتح باب الوعظ والتزهيد في الدنيا، ويدلنا حرصه على المال مع زهده على تأثره أيضا بالحكمة الهندية التي تحسن الزهد في الدنيا والتصوف، وهي مع ذكل تعظم شأن المال وتقدسه.وأتباعه لهذا المبدأ جعل شكا في صدق زهده، لأن من شروط الزهد أن لا يزهد صاحبه في الدنيا وملذاتها فقط، وإنما أن يزهد أيضا في حطام الدنيا ويحيا حياة التقشف والحرمان، وهذا لا يرى له أثر إلا في أخبار بخله.
وإنا نرى أن شاعرنا لا يحمل في شعره رسالة جديدة، ولا يضع مبادئ فلسفية خاصة، وإنما هو يعكس لنا روح الشرق الدينية: احتقار الحياةالدنيا وتعطيم الآخرة، فلو قرأنا كل ديوانه، فلن نرى فيه إلا دعوة إلى ترك الجهاد في سبيل التقدم، والتحرر من قيود المطامع، مثل:
حتى متى يستفزني الطمع أليس لي بالكفاف متسع
ما أفضل الصبر والقناعة للناس جميعا لو أنهم قنعوا
واخدع الليل والنهار لأوام أراهم في الغي قد رتعوا
لله در الدنى فقد لعبت قبليبقوم فما ترى صنعوا
وكان ما قدموا لأنفسهم أعظم نفعا من الذي ودعوا
موته:
قيل إن أبا العتاهية، عاش إلى أيام المأمون، ومدحه ببعض أبيات رواها الأغاني، ونال بره، ومات في عهد خلافته، ودفن حيال قنطرة الزياتين في الجانب الغربي من بغداد.
من شعره
لعَمْرُكَ، ما الدّنيا بدارِ بَقَاءِ؛ كَفَاكَ بدارِ المَوْتِ دارَ فَنَاءِ
فلا تَعشَقِ الدّنْيا، أُخيَّ، فإنّما يُرَى عاشِقُ الدُّنيَا بجُهْدِ بَلاَءِ
حَلاَوَتُهَا ممزَوجَة ٌ بمرارة ٍ ورَاحتُهَا ممزوجَة ٌ بِعَناءِ
فَلا تَمشِ يَوْماً في ثِيابِ مَخيلَة ٍ فإنَّكَ من طينٍ خلقتَ ومَاءِ
لَقَلّ امرُؤٌ تَلقاهُ لله شاكِراً؛ وقلَّ امرؤٌ يرضَى لهُ بقضَاءِ
وللّهِ نَعْمَاءٌ عَلَينا عَظيمَةٌ، وللهِ إحسانٌ وفضلُ عطاءِ
ومَا الدهرُ يوماً واحداً في اختِلاَفِهِ ومَا كُلُّ أيامِ الفتى بسَوَاءِ
ومَا هُوَ إلاَّ يومُ بؤسٍ وشدة ٍ ويومُ سُرورٍ مرَّة ً ورخاءِ
وما كلّ ما لم أرْجُ أُحرَمُ نَفْعَهُ؛ وما كلّ ما أرْجوهُ أهلُ رَجاءِ
أيَا عجبَا للدهرِ لاَ بَلْ لريبِهِ يخرِّمُ رَيْبُ الدَّهْرِ كُلَّ إخَاءِ
وشَتّتَ رَيبُ الدّهرِ كلَّ جَماعَة وكَدّرَ رَيبُ الدّهرِ كُلَّ صَفَاءِ
إذا ما خَليلي حَلّ في بَرْزَخِ البِلى، فَحَسْبِي بهِ نأْياً وبُعْدَ لِقَاءِ
أزُورُ قبورَ المترفينَ فَلا أرَى بَهاءً، وكانوا، قَبلُ،أهل هاءِ

ومن شعره أيضا:
بكيْتُ على الشّبابِ بدمعِ عيــني فلـم يُغـنِ البُكــاءُ ولا النّحـيبُ
فَيا أسَفاً أسِــفْتُ علــى شَبــابٍ، نَعاهُ الشّيبُ والرّأسُ الخَضِيبُ
عريتُ منَ الشّبابِ وكنتُ غضا ً كمَا يَعرَى منَ الوَرَقِ القَضيب
فيَا لَــيتَ الشّبــابَ يَعُودُ يَوْماً، فـأُخــبرَهُ بمـا فَعَـلَ المَـشيــبُ
ومن اقواله أيضا:
أرى الدنيا لمن هي في يديــه
عذاباً كلما كثرت لديــــــه
تهين المكـرمـين لـهـا بصغــر
وتكرم كل مـن هانت عليــه
إذا استغنيت عن شيء فدعه
وخذ ما أنــت محتـــاج إلـيـــه
لدوا للموت وابنوا للخـراب
النثر وأبو العتاهية
لأن الشاعر أبا العتاهية كان مكثرا لقول الشعر، فقد ابتعد في كثير مما قال عن القافية أو عن الوزن، ولهذا اتبع بعض أقواله للنثر، وكما أسلفت قبل صفحات، فإن لخروجه على العروض، اعتبر ناثرا في كثير من أقواله.
وبهذا، فإن الكثيرين ممن اهتم بأقوال أبي ا لعتاهية، قد وصفوا شعره بأنه نثرا منظوما، لهذا ألحقوا بعض شعره بالنثر.

بهذا نرى أنه من الناحية الفنية فقد كانت أشعار أبي العتاهية على كثرتها، ضعيفة وكلامها بسيط غير متكلف ويصل إلى حد النثرية أحيانا ويفتقد إلى الخيال وهو أهم مقومات الفن الشعري ..
معاني الزهد كثيرة عند أبي العتاهية ،، وتتكرر في كثير من قصائده ؛ من ذكر الموت والحياة والفناء والحساب والثواب والعقاب ، والقبر والتوبة ، والحض على مكارم الأخلاق.
وهي معان يغلب عليها التشاؤم واليأس والقنوط والتنفير من الحياة وما فيها من ملذات أحلها الله ، وتقل فيها مشاعر الأمل والتبشير بالجنة وما فيها من نعيم
وهو القائل :
لدوا للموت وابنوا للخراب *** فكلكم يصير إلى تباب
ولما أحس أبو العتاهية بقرب الأجل ، نظم قصيدة رائعة يرجو فيها عفو ربه، وندم على ما أسرف من عمل في دنياه ، منها هذه الأبيات :
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
فمالي حيلة إلا رجائي لعفوك فاحطط الأوزار عني
وكم من زلة لي في الخطايا وأنت علي ذو فضل ومَنِّ
إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سني

وللشاعر أبي العتاهية، أرجوزة حكيمة، جمع فيها كثيرا من الأمثال البليغة، وقد ذكر صاحب الأغاني أنها تبلغ نحو أربعة آلف مثل، على أنه لم يثبت منها غير بضعة وعشرين مثلا. أما في ديوان أبي العتاهية فقد نقل منها ما يقارب الخمسسين، ولم يعثر الأستاذ أنيس المقدسي، ولا المؤرخون لأبي العتاهية عليها كلها أو على معظمها في كتاب ما ، ولعلها ضاعب في جملة ما ضاع من كتب الأولين.
وأكثر حكمها عادي على أن فيها كثيرا مما يبلغ الدرجة الأولى من الجمال: كقوله: إن كان لا يغنيك ما يكفيا، فكل ما في الأرض لا يغنيكا
وقوله: لن يصلح الناس وأنت فاسد، هيهات ما أبعد ما تكابد.
وهو معنى في غاية الجمال يريد بذلك أن المجتمع لا يصلح ما لم يصلح كل فرد ذاته.
أهم خصائص أبي العتاهية الفنية:
1. سهولة الألفاظ ، وهي مذهبه في جميع القصائد
2. رشاقة التعبير، وهي من مزايا الشعراء المطبوعين ويرا بها البعد عن التكلف والتعقيد، فكل قصائده رشيقة المبنيى تسيل عذوبة وطلاوة. وقد صدق الخطيب البغدادي إذ قال: "وكان سهل القول قريب المأخذ بعيدا من التكلف متقدما في الطبع . تأمل هذه الأبيات التي قالها أمام المهدي يعزيه في نبت له ماتت فحزن عليها حزنا شديدا. قال شاعرنا فوافيته وقد سهلا وضحك وأكل وهو يقول؟ لا بد من الصبر على ما لا بد منه. ولئن سلونا عمن فقدنا ليسلونّ عنا من يفقدنا وما يأتي الليل والنهار على شيء إلا أبليها." فلما سمعت هذا منه قال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أنشد، قال، هات: فأنشدته:
ما للجديدين لا يبلى اختلافهما وكل غـــــــض جديد فيهما بال
يا من سلا عن حبيب بعد موتته كم بعد موتك أيضا عنك من سال
كأن كل نعيم أنت ذائقــــــــه من لذة العيش يحكي لمعة الآل
لا تلعبن بك الدنيا وأنت ترى ما شئت من عبر فيها وأمثال
ما حيلة الموت إلا كل صالحة أو لا فما حيلة فيها لمحتال
3. سرعة الخاطر: وما يقترن بذلك أحيانا من الركاكة، قيل له كيف تقول الشعر؟ قال: ما أردته قط، إلا مثل لي فأقول ما أريد وأترك ما لا أريد .
4. عدم التفنن في الخيال: ولا يراد بالخيال هنا اللطائف الشعرية فقط، من تشبيه واستعارة وكناية وما شاكل، بل أعني الخطة أو الصورة التي يتخيلها لاشاعر فيحمل الناس عليها إلى غرضه.

بهذا يقول المؤرخون، أن شاعرنا لم يكن كثير الافتتان في انشاده، بل كان له وتر واحد ينقر عليه نغمات متماثلة مؤثرة ولكنها خيالية من سعة التخيل والنفوذ إلى مناطق الحياة الحقيقية.
فإذا قرنت ذلك بمزاياه الأخرى، من سهولة المعنى وسلاسة المبنى، فهمت لماذا يختلف النظر في حقيقته، ولماذا يجمع في شعره بين السمو والأسفاف والبلاغة والركاكة.

أبو العتاهية ....وهارون الرشيد
قال أبو العتاهية : دخلت على هارون أمير المؤمنين ، فلما بصر بي قال : أبو العتاهية ؟ قلت أبو العتاهية ، قال: الذي
يقول الشعر ؟ قلت : الذي يقول الشعر، قال: عظني بأبيات
شعر وأوجز ، فأنشدته :
لا تأمن الموت في طرف ٍ ولا نفس ِ
ولو تمنعتَ بالحجاب ِ والحـــــــــرس ِ
وأعلم ْ بأن سهام الموت قاصدة ٌ
لكل ِ مـــــــــدرع ٍ منـــــــا ومُتــــرس ِ
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
ان السفينة لا تجري على اليبـــــــــس ِ
قال أبو العتاهية : فخرّ الرشيد مغشيا ً عليه .
ومما قال أبو العتاهية:
ان الطبيبَ بطبه ودوائه لا يستطيعُ دفاع مقدور أتى
مات المداوي والمداوى والذي جلب الدواء وباعه ومن اشترى

مراجع
• أبو العتاهية أشعاره وأخباره للدكتور فيصل شكري . -
• الأستاذ أنيس المقدسي، أمراء الشعر العربي في العصر العباسي، نشر دار العلم للملايين – بيروت – الطبعة الخاسمة 1961 صفحة 149
• ديوان أبي العتاهية – ديوان العرب – تحقيق كرم البستاني- دار بيروت للطباعة والنثشر – بيروت – 1406 هـ - 1986 م
http://www.fajr***.net/forum/index.p...aded&pid=89690
http://www.ibtesama.com/vb/showthread-t_105660.html
مصادر أخرى لدراسة أبي العتاهية
(مأخوذة من كتاب أمراء الشعر العربي للأستاذ أنيس المقدسي، رحمه الله )
من يود الإستزادة من أخبار وأشعار أبي العتاهية، فهذه مصادر بها ذكر لهذا الشاعر:
• طبقات الشعراء، لابن المعتز (1939) صفحة 105 إلى 108
• الشعر والشعراء لابن قتيبة (ليدن* ص 497 إلى 501
• مروج الذهب للمسعودي ج2 في أخبار المهدي ولارشيد
• الأغاني (بولاق) جزء 3 ص 126 إلى 183
• الأغاني بولاق، ج 6 ، ص 186
• الأغاني بولاق، ج 8 ، ص 24
• الأغاني بولاق، ج 16 ص 149 – 150
• الموشح للمرزباني ص 154 – 263
• زهر الآداب للحصري ج 2 ص 35 – 39
• العمدة (هندية) 2 – 106
• تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (مصر) ج 6 ص 250 – 260
• وفيات الأعيان ج 1 ص 100 – 103
• مقدمة ديوان أبي العتاهية رواية النمري (طبع الأباء اليسوعيين بيروت) وأخبار متفرقة في الكامل والفهرست والعمدة وغيرها.



__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع