#1  
قديم 06-06-2010, 02:57 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي ألف ليلة وليلة

ألف ليلة وليلة
هناك كتب كثيرة مثل : "ألف ليلة وليلة" ، "قصة عنترة" ، "سيرة الزير" كانت أكثر المؤلفات رواجاً عند القارئ العربي ، في العصور السعيدة الغابرة….

وقد تكون (( ألف ليلة وليلة )) في طليعتها جميعاً . وهي إن لم تكن أوسعها انتشاراً فقد كانت ،ولا شك ، أبلغها أثراً في نفوس الناس. لأن حكمتها ما برحت في حكمة العامة وبعض الخاصة المثقفين ، ولأن أخبارها ما زالت في أخبارهم ، وأسماء أبطالها صارت أسماء أشخاص في عائلاتهم ، وبعض قوالب كلامهم . حتى بات لبعض العامة أسلوب في النهج والتعبير يذكر عن قرب ، بما في ((ألف ليلة وليلة)) من أساليب منوعة في النهج والتعبير، على نحو ما صبغت "كليلة ودمنة" أساليب كثيرة من أساليب الكتّاب والأدباء…

ويكفي , في التدليل على سعة انتشار (( ألف ليلة وليلة )) أن تهافت على نشرها أولى المطابع العربية في كلكوتا،
والقاهرة ، وبغداد ، ودمشق ، وبيروت ، وأنها لا تزال في طلاب دور النشر الحديثة ، ثم كانت أسبق المؤلفات العربية ، نقلاً إلى لغات الفرنجة ، فعرفت لها منذ ما يزيد على المائة سنة ، ترجمات عديدة ، أهمها الفرنسية والإنجليزية ،

فكانت مطلاً في أوائل المطلات للغرب على الشرق…

وقد ساعدت الطبعة التي هذبها ، ووقف عليها ، الأب أنطوان صالحاني ، اليسوعي، بما بذل فيها من جهد وخصها من إتقان ، على توسيع مدى هذا الانتشار بحيث فتحت في وجهها ، على يده ، أبواب البيوت والمدارس ، التي كانت موصدة دونها من قبل…

وإنه في سبيل مواصلة الخدمة وأداء رسالة النشر والتعميم ، صار التفكير بإنفاذ هذه الطبعة الرابعة إلى السوق ، في إخراج متقن وتبويب واضح ، وحرف أنيق يجد فيها القارئ كتاباً أفضل ما في المكتبة العربية ، ومن أرخم ما تقع عليه العين، موزعة أخباره إلى قصص تحمل كل واحدة منها عنوانها المستقل ، وموزعة هي إلى ليال يعاد ذكرها ، كما يعاد ذكر العناوين ، في كل صفحة من صفحات الكتاب ، على زخرفة وبروز….

وإن أول ما يجب الالتفات إليه ، في مستهل الكتاب الأول ، أن طبعتنا الرابعة جرياً على نهج نهجناه في الثلاث السابقات، لا تزعم لنفسها غير ما هي في الواقع ، فالناشر لم يتوخّ أن يدفع إلى القارئ طبعة علمية يتحرى فيها الأصل الأول ، يقابل بين أقدم المخطوطات وأحدثها عهداً ، ثم يرجح في الصحة والأصالة بين نص ونص فيعتمد الأقرب إلى الأصل ، معلقاً الحواشي ، مشيراً إلى المباينات ، ذاهباً في شرحها المذاهب على طريقة أهل العلم والتنقيب . إن هي طبعة شعبية ، يضعها الناشر بين أيدي القراء في النص الأنسب والأكثر تهذيباً والأسلس سياقاً ، والأوفر طلاوة ، ذلك النص الذي حفيت نواتئه من وفرة التداول والاستعمال ، مستعيناً على أمره أشهر المخطوطات ، وأولى الطبعات المعروفة ، أخصها طبعة كلكوتا وبولاق….

……وبعد فإن أسبق ما يسبق إلى بال القارئ ، قبل أن يهمّ بقراءة "ألف ليلة وليلة" أو بعد أن يطرحها من يده ، معرفة :من هو واضع الكتاب ؟؟؟ وفي أي زمن وضع…؟؟؟ وكيف أعطي له اسمه!!!! وما هي سيرة الكتاب…..ومن أين أخذ القالب الذي سبك فيه….!!! وما هي حقيقة "ألف ليلة وليلة"؟؟؟ ….وهو ما يحملنا على معاقبة الكلام في كل ذلك مسترشدين اراء السابقين ، مستهدين بدراساتهم **((أخصها جميعاً كتاب Nikita Elisséeff – Thémes et Motifs des Mille et une Nuits ، الذي تولى نشره المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية ، 1949 . وقد كان طريقنا المنورة إلى دنيا "ألف ليلة وليلة" ))...ومستعينين بالله ....وهو نعم الوكيل.

اسم الكتاب

مما لا شك فيه أنه لم يخطر في بال مولدي الحكايات التي جمعت في هذا الكتاب أنها ستجتمع يوماً في كتاب واحد ، وأنه سيكون لهذا الكتاب اسم ، وأن اسمه سيكون "ألف ليلة وليلة" ....

حتى أن الذين نشطوا إلى جمع هذه الحكايات في مجموعة واحدة لم يطلقوا اسماً عليها...على أنها اتخذت أول الأمر ميلاً من الناس إلى التسمية للتمييز وللتحديد –اسم "ألف خرافة" ، ثم صار اسمها :" ألف ليلة" ، قبل أن تعرف باسمها الأخير: "ألف ليلة وليلة" ...فلماذا تبدل اسم الليلة باسم الخرافة ....!!! ولماذا استقر اسم المجموعة على "ألف ليلة وليلة" ؟؟ أحد لا يستطيع الجواب على ذلك ....بيد أن الذين كتبوا في سيرة المجموعة ، وأنشئوا لها القالب وعينوا الغاية من وضعها ، يشرحون في ما لا مزيد عليه من البساطة ، لماذا اعتمدت "الليلة" في مكان "الخرافة" لتستقيم في روايتهم أسطورة شهرزاد....أما قولهم :"ألف ليلة وليلة" بدلاً من قولهم :"ألف ليلة" فقد ذهب الشرّاح في تفسيره مذاهب :

يزعم Gildmeister أن العرب يكرهون الأرقام المدورة كالعشرة والمائة والألف وأنهم يميلون مع روح اللغة العربية وطبعها ، إلى الموسيقى اللفظية وأن قولهم "ألف ليلة" أخرس ، أما قولهم "ألف ليلة وليلة" فأساس لفظاً لذلك اختاروا لمجموعتهم اسم :"ألف ليلة وليلة"....وينسب Horovitz ذلك لميل العرب إلى الأرقام المفردة...
وأما Littmann فيعزو التسمية إلى تأثير الترك الذين تعودوا إلى أن يشيروا إلى العدد الكبير بقولهم :"بن بير" أي ألف واحد وواحد ، وهو يشير في شرحه هذا إلى مكان في الأناضول اسمه "بن بير كيليسه" ، ما معناه " ألف كنيسة وكنيسة" وهم يعنون في ذلك كنائس كثيرة وإلى مكان آخر في اسطنبول يعرف باسم "بن بير ديرك" أي "ألف عمود وعمود" ، ويلاحظ أن عدد الأعمدة في هذا المكان لم يتجاوز في يوم ال 244 عموداً...ويزيد Littmann قوله :" أنه في القرن الثالث عشر كان يعرف عند العرب كتابان باسمين قريبين من اسم "ألف ليلة وليلة" ، وهما :" ألف عبد وعبد " و "ألف جارية وجارية"....ومهما يكن من شأن هذه التسمية فإن أمراً لا يشك في صحته أحد وهو أن عدد حكايات "ألف ليلة وليلة" لم يبلغ في حين ، ألف حكاية وحكاية ، ولا هي وزعت توزيعاً صحيحاً ، إلى ألف ليلة وليلة...

إنما تسمية الكتاب بالاسم الذي ما برح يعرف به سواء أكان مأخوذاً عن الترك أم كان من وضع العرب فإن فيه الكثير من موسيقى اللفظ ، والكثير من التشويق والإغراء ، الإبهام والإيحاء ، والكثير من ميل الشرقيين إلى المبالغة وتهيب العرب أمام العدد العديد وكل شيء شامخ . وهو لذلك جميل يعني ، وخير ما في أسماء الكتاب الجميل الذي يعني.
واضع الكتاب

ليس لهذا الكتاب كاتب ....أو لم يعرف لكتاب "ألف ليلة وليلة" كاتب معين ، ينسب جزماً إليه....فهو في ذلك على نحو ما هي عليه مؤلفات كثيرة في العالم ، يحار الرأي العلمي في صحة إنسابها ، كما يحار ،جاداً في حقيقة وجود بعض الذين تنسب إليهم روائع عالمية كهوميروس وشكسبير....

حتى أن المحققين يحارون في تعيين جنسية واضع "ألف ليلة وليلة" وفي هل يكون واحداً أم أكثر من واحد؟؟؟ فيذهب الشرواني ، مثلاً في مقدمة الطبعة الإيرانية إلى أن واضع الكتاب سوري ، جعله في لغة مبسطة متوخياً تعليم اللغة العربية إلى الراغبين فيها أكثر ما توخى الاقتراب من إفهام الناس...وقد لحقه الرأي ((De Sacy )) الذي لا يستبعد أن يكون قد زاد على الأصل السوري النقلة والحكاؤون ، في كل زمانومكان ، أخباراً وحكايات من عندهم...ويميل ((Scott )) في مقدمته للطبعة الإنجليزية إلى أن واضع الكتاب أكثر من رجل واحد ، فلا يعرف البادئ ولا المتأخرون ولا تعرف جنسياتهم...

أما (( Langlés )) فعلى رأي المسعودي الذي يردّ الكتاب إلى الهند **(( المسعودي ، مروج الذهب ، طبعة Barbier De Meynard ، باريس ، 1914 ، الجزء الرابع ، الصفحة 89 + 90 )) في قوله : " وإن سبيل الأخبار سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية ، سبيل تأليفها ما ذكرنا مثل كتاب "هزار افسانه" وتفسير ذلك من الفارسية إلى العربية ألف خرافة ، والخرافة بالفارسية يقال لها افسانه ،

والناس يسمون هذا الكتاب "ألف ليلة وليلة" وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتها وهما شيرازاد ودنيازاد ، ومثل كتاب فرزة وسيماس وما فيها من أخبار ملوك الهند والوزراء ومثل كتاب السندباد وغيرها من الكتب في هذا المعنى".. ويعطي الأب صالحاني في مقدماته السابقة لهذه الطبعة ستة أدلة ودليلاً على أن واضع هذا الكتاب عربي ، استند في ذلك بنوع خاص ، إلى أن ما قاله صاحب الفهرست في الجهشياري :..." قال محمد بن اسحق : ابتدأ أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري ، صاحب كتاب الوزراء ، بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم ، كل جزء قائم بذاته ، لا يعلق بغيره ، واحضر المسامرين فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون واختار من الكتب المصنفة في الأسماء والخرافات ما يحلو لنفسه ، وكان فاضلاً ، فاجتمع له من ذلك أربعمائة ليلة وثمانون ليلة ، كل ليلة سمر تامة تحتوي على خمسين ورقة ، وأقل وأكثر ، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتميمه ألف سمر ، ورأيت من ذلك عدة أجزاء بخط أبي الطيب أخي الشافعي ((محمد بن اسحق النديم ، في كتاب الفهرست ، طبعة القاهرة ، السنة 1348 هــ ، الصفحة 422 + 423 ))....ويستنتج (( Macdonald )) على أن الأصل الأول لهذا الكتاب فارسي بدليل أن أولى لياليه منقولة إلى العربية عن "هزار افسانه" ....ويزيد (( Hommer )) أن "ألف ليلة وليلة" إن لم تكن فارسية فهي هندية.ثم يتفق (( Schlegel وGildmeister و Deslongchamps و Loisleur )) على إعطاء الكتاب إلى الهند ، مع الإفراد للفرس وللعرب ببعض الفضل فيه...فمهما يكن من أمر....ومهما تكب النتائج التي بلغ الباحثون في معرفة حقيقة واضع هذا الكتاب، فما لا مراء فيه أن كتاب "ألف ليلة وليلة" من نتاج مخيلة الشعوب الشرقية ، والآسيوية منها على الأخص ، فلا يستطيع أن يدعيه كاتب من كتّابهم ، ولا يستطيع أن يدعيه شعب من شعوبهم ، إن هو مجموعة حكايات شعبية ولد بعضها في مخيلة الهنود ، وبعضها في مخيلة الفرس ، وبعضها في مخيلة العرب والمصريين ، وكان ذلك من أقدم العصور إلى أن خطر في بال غاو أو حكّاء من العرب أن يجمع كل ذلك في كتاب ، راح بعده الغواة والحكّاؤون يزيدون عليه مع الأيام حتى عرف أخيراً في نص تعددت صيغه بتعدد المخطوطات التي نقلته إلينا....

وهو ما جعل أن يضم إلى "ألف ليلة وليلة" حكايات ليست في الأصل من "ألف ليلة وليلة" وإنما هي من جمع جامع ، وإدخال دخيل ككتاب السندباد البحري وأسفار السندباد ، وكتاب الملك وولده والوزراء السبعة والجارية ، وكتاب الملك جليعاد وابنه وردخان والوزير شمّاس ، وكتاب الجارية تودد ، وكتاب عجيب وغريب وسهيم الليل ، وكتاب بلوقيا ، وكتاب سيف الملوك وبديعة الجمال ......وغيرها.

وهكذا لا يكون غريباً أن تنسب إلى الهند وفارس حكايات : المرأة والعفريت - التاجر الذي يفهم لغة الحيوان – التاجر والعفريت – الصياد والمارد – التفاحات الثلاث – الفرس الأبنوس – حسن البصري ((من أجمل الأبواب في الكتاب)) – قمر الزمان وبدور – بدور و جوهرة – اردشير وحياة النفوس ، وهي تدور في معظمها على الأرواح والجنيات ومداخلتها في حياة الناس....

كما ليس غريباً أن تنسب إلى بغداد حكايات : أنس الوجود – نعم ونعيمة – القماقم السليمانية – هارون الرشيد والخلفاء – الشعراء والمغنين ، وكل ما يدور على أخبار التجار والجاريات والحب ، وهي تتميز برشاقة السرد ، وخلوها من السحر وبميلها إلى ترغيب الناس في الدخول في الإسلام ....

أما حكايات : عبد الله البحري وعبد الله البري – أبوقير الصباغ وأبو صير المزين – أحمد الدنف وحسن شومان مع دليلة المحتالة وزينب النصابة ((قصة أكثر من رائعة بالفعل)) – إبراهيم بن الخصيب صاحب مصر – قمر الزمان – معروف الإسكافي – مسرور – نور الدين المصري مع مريم الزنّارية – خليفة الصياد مع القرود واليهودي ....الخ ....حيث تغلب أخبار اللصوص والمحتالين والنصابين والجاويشية والموظفين والنساء الماكرات . وحيث يحتل المقام الأول الأفيون والحيلة والطلاسم . وحيث تعود الأرواح إلى البروز على غير ما في الأخبار الهندية والفارسية ، إذ هي تخضع ، هنا ، الإنسان إليها بفعل مشاركتها إياه أشياء حياته ويخضعها الإنسان لإرادته ، هناك، بفعل السحر والطلاسم ، وحيث تتبوأ النكتة مركزها الممتاز ، ويتعمد الرواة أن يعطوا في سياق سردهم ، كل ما يعرفون من الأوصاف المتعلقة بحياة الناس اليومية وبعاداتهم ، أما هذه الحكايات فيغلب على الرأي فيها أنها وضعت في القاهرة على عهد الفاطميين....

تبقى النوادر والأخبار التاريخية المتعلقة بالأدباء والشعراء والمغنيين ، بأبي نواس ، حاتم طي ، والحجاج ، وجعفر البرمكي ، وهارون الرشيد ، والخلفاء ، فهي مأخوذة عن كتاب الأغاني ، وكتب الأدب العربي ، وقد حشيت تحشية في "ألف ليلة وليلة" ، إما لزيادة عدد لياليها ، وإما لإثباتها في كتاب كان قد بدأ يظهر تأثيره في الناس...

وسواء أثبتت الأنساب الهندية ، والفارسية ، والعربية ، والمصرية ، أم لم تثبت كلها أو بعضها فيخلص من كل هذه الاشارت التي حاولناها أعلاه:

إنه لا واضع معين لحكايات "ألف ليلة وليلة" ، وإن هي إلا مخيلات الشعوب الشرقية ...الآسيوية – المصرية اشتركت جميعها في وضعها ، ثم انبرى لها بالجمع والتدوين كتّاب من القاهرة ، وبغداد ، ودمشق ، ومترجمون من حيثما كان ، فجمعت في سفر واحد كان النواة الأولى لكتاب راحت تطرأ عليه زيادات في كل عصر ومصر ، حتى تجمّع من كل هذا مؤلف تتشابه حكاياته ، وقصصه ، وأخباره ، وفصوله ، في كل مخطوطة وطبعة ، على فوارق ليست بذي بال ، هو كتاب "ألف ليلة وليلة" ....ثم إن للهنود ، في هذا الكتاب ، ما للفرس فيه ، وما للعرب والمصريين ، حكايات وأخباراً لو لم تكن من وضعهم لما قدر واضع الكتاب على وضعها لوفرة ما تختص بتصوير طباعهم ، وأحوال معيشتهم ، ولكثرة انطباعها بطابعهم الروحي – الشخصي.


-*-*-*

وله تتمة



__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-06-2010, 02:58 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي

زمن وضع الكتاب

مادام لا يعرف كاتب هذا الكتاب ، ومادام الرأي الغالب إن حكايات "ألف ليلة وليلة" مأخوذة عن الهند ، وفارس ، ومصر ، وسوريا ، والعراق ، وأنها من الحكايات التي تتوالد في الشعب وتتناقلها الأجيال المتعاقبة، صار من الراجح الرأي الذي يذهب إلى تجهيل زمان الوضع، غير أن هناك عمل جمع ودون وتوفر عليه كتّاب من العرب....ففي أي زمن حصل ذلك أو يرجح أنه كان؟؟؟!!!!

على هذا ، أيضاً اختلاف بين أهل الرأي....

فمن قائل (De Sacy ) أن عملية الجمع والتدوين الأولى حصلت في عهد الخلفاء العباسيين (750-1258) وقيل القرن الخامس عشر ، لخلو الكتاب من ذكر القهوة والتبغ ، ويقبل صاحب هذا الرأي أن تكون قد زيدت على الكتاب حكايات ، ونوادر وأخبار في أوقات لاحقة ، ولكنه يأبى أن يحدد وقتاً معيناً للصيغة شبه الأخيرة التي عرفت للكتاب في خلال القرن الخامس عشر....

على أن (Hommer ) الذي لا يعيّن ، هو أيضاً تاريخاً محققاً للوضع في صيغته الأخيرة ، لا يستبعد أن تكون قد أضيفت على الأصل قصص عديدة ، في بغداد والقاهرة ودمشق ، على أيام الفاطميين (909-1171) والأيوبيين (1171-1250) والأمويين (660-750)...

ويؤكد (Macdonald ) أن الكتاب كان معروفاً في أيام المسعودي ، وأن بعضه ترجم إلى العربية يوم ترجمت "كليلة ودمنة" ، وأن مجموعة "ألف حكاية" كانت تقرأ في عهد العباسيين ، كما كانت تقرأ مجموعة "ألف ليلة وليلة" في أيام الفاطميين بالقاهرة ....

أما الأب صالحاني فيرى "أن عبارة الكتاب ليست عبارة قديمة خالصة ، وإنما كعبارة العامة في عصرنا ، وذلك مما يرينا أنه كتب في أيام العباسيين على حين كانت اللغة في رونقها وكمال شبابها ...."** ((كتاب ألف ليلة وليلة....مقدمة الطبعة الثالثة ، المطبعة الكاثوليكية ، صفحة 10 ))....لذلك لا يعتقد أن الكتاب ألّف قبل القرن الخامس عشر إذا ماعتبرنا الهيئة التي هو عليها الآن....

على أن الرأي الغالب هو أن مجموعة "ألف ليلة وليلة" كما هي معروفة الآن ، قد اتخذت شكلها الحالي بين القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر ، وقد كتبت بلغة الناس ، على يد "حكواتيين" ، فلم تتناولها أقلام كبار الأدباء والمنشئين ، فجاءت على وضعها الحاضر الذي هو من أبرز عوامل رواجها وانتشارها بين قراء العربية جمعاء

--*-*-*-*
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06-06-2010, 02:59 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي


سيرة الكتاب والقالب الذي أعطي له

لكل كتاب سيرة ...ولكتاب "ألف ليلة وليلة" -ألف سيرة وسيرة-...فمن قائل أن حكايات الكتاب من جمع جامع ليعلّم اللغة العربية المبسطة للذين يرغبون في تعلمها...ومن قائل أنها جمعت في سبيل الدعوة إلى الإسلام.....ومن قائل أن أحد الحكام دعا إلى جمعها ونشرها في الناس لإلهائهم عنه وعن مفاسد حكمه....بل لإبعاد النعاس عن حراس الليل والنواطير ،،،،يقول قائل آخر....ويقول آخرون أنها جمعت لمصلحة "حكواتي" من الذين كان تجتمع عليهم الناس قبل المسرح والسينما ، والذين ما زال منهم جماعة تعمل في بعض القهاوي والدكاكين في معظم المدن الشرقية....

ومن قائل أن كاتباً غاوياً استهوته رغبة الكتابة فراح يدون ما كان يسمع من حكايات في الأندية وحلقات السمر ، ارواء لغلة الوضع التي تسعر أحشاء كل أديب.....!!! من قائل فيما تقوّل به المتقوّلون ما نميل إلى أن نأخذ به ، نحن ، وهو ما جاء في "حكاية الملك شهريار وأخيه شاه زمان" في صدر كتاب ألف ليلة وليلة ، وأنه :" حكي فيما مضى وتقدم وسلف من أحاديث الأمم : أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ، ملك من ملوك بني ساسان ....اسمه الملك شهريار ، وكان أخوه الصغير اسمه الملك شاه زمان......"
إلى أن قال الراوية :" .....فلما سمع الوزير من ابنته هذا الكلام حكى لها ما جرى له من الأول إلى الآخر مع الملك ، فقالت له : بالله يا أبت زوجني هذا الملك فإما أن أعيش وإما أن أكون فدى لأولاد المسلمين وخلاصهم من بين يديه ، فقال لها : بالله عليك ألا تخاطري بنفسك أبداً ، فقالت له : لابد من ذلك....."

وهو ما كان....فراح الملك يستمع إلى قصة شهرزاد في سرور فائق، وكانت شهرزاد تقف بحكايتها عند مكان حرج ، فكان الملك يرجئ قتلها كل صباح إلى الصبا المقبل ....وفي عقب ألف ليلة وليلة رزقت شهرزاد ابناً من الملك ، فزاد حبه لها ، وحافظ على أم ابنه ، التي أصبحت ملكة ، ثم أقلع الملك عن ظلمه ..وما أن استقر شهريار على هذا القرار حتى أمر بتسجيل حكايات شهرزاد على رقّ غزال ، بماء الذهب وجعلها في خزائن الحديد ، فسجلت على الوجه المتناقل بيننا الآن ....والله أعلم...

فإذا ما اعتمدت هذه الرواية يكون القالب الذي أفرغت فيه هذه الحكايات قالباً هندياً ، في رأي Cosquin وإيرانياً في رأي De Goeje ...وقد عرف مثل هذا القالب منذ القرن الرابع عشر في بعض روايات الطليان الذين لا يستبعد أنهم نقلوه عن الشرق لما كان بين بلادهم والبلدان الشرقية من علاقات تجارية ، وتبادل منافع وخدمات....

وسواء أكان القالب هندياً على نحو ما هي عليه "كليلة ودمنة" أو قصة "هيتوباديا" أو قصة "باكاتنترا" ، أم كان القالب إيرانياً على ما هي عليه حكايات "هزار افسانه" فإن مثل هذا القالب أو ما يقرب منه ، كان معروفاً عند العرب منذ أقدم العصور....وهو يختلف ، في "ألف ليلة وليلة" عنه في الحكايات الهندية ....ذلك أن القالب الهندي يجري على النمط التالي :

- عليك بهذا لئلا يحدث لك ما حدث لفلان...
- وماذا حدث له؟؟؟
- قيل أنه كان.....

أما قالب "ألف ليلة وليلة" فقد جرى هكذا :

"....فأدرك شهرزاد الصباح ، فسكتت عن الكلام المباح ، فقالت لها أختها : يا أختي ما أحلى حديثك وأعذبه وأطيبه وألذه " . فقالت : " وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة ، إن عشت وأبقاني الملك!!!"

فقال الملك : " لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها لأنه عجيب "....

ثم باتوا تلك الليلة إلى الصباح ، فلما أقبل الليل قالت دنيازاد :" يا أختي أتمي لنا حديثك" .فقالت :" حباً وكرامةً!!!"....ثم تندفع في سرد الحكاية الجديدة....

وهي طريقة محض عربية ، وإن كانت مستعارة من الهند أو من فارس ففي كثير من التصرف . وقد تبدلت في بلاد العرب حتى صارت من طرائقهم أن فاتها أن تكون على الطرائق التي كانت مطروقة عندهم....

إذ كثير ما يرد في حكايات العرب أن رجلاً استبعد موته ، أو امرأة استبعدت طلاقها، أو وزيراً استبعد إقالته ، إلى أن ينتهوا من سرد حكايات لهم تطول.....ثم ترد فصول تلك الحكايات التي يأخذ بعضها في رقاب بعض إلى أن تنفد الأيام والشهور ، ولا تنفد هي.
__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-06-2010, 03:00 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي


خواتم الكتاب

لم تتفق المخطوطات المعروفة من "ألف ليلة وليلة" على خاتمة واحدة ، إن هي متعددة الخواتم....

ففي طبعة بولاق ، وطبعة Galland الفرنسية ينتهي الكتاب إلى أن الملك - وقد اعجب بذكاء شهرزاد وببراعتها في الرواية والسرد – يعفو عنها لتسلم له بهجة ومسرة ....وفي الملخص الذي يعطيه صاحب الفهرست يقول: " .....وظلت شهرزاد تخرّف الملك ، وتصل الحديث عند انقضاء الليل ، بما يحمل الملك على استبقائها ، إلى أن رزقت منه ولداً ، أظهرته وأوقفته على حيلتها عليه ، فاستعقلها ، ومال إليها واستبقاها"** (( محمد بن اسحق النديم ، كتاب الفهرست ، طبعة القاهرة ، السنة 1348 هــ ، صفحة 422 ))...

أما مخطوطة Hommer فتنتهي إلى أن الملك وجد قصص شهرزاد متعبة ومملة ، فأراد قتلها ، ولكنها كانت قد رزقت منه ولداً فعفا عنها لذلك....

وأما في طبعة كلكوتا فترزق شهرزاد ثلاثة بنين لئلا تضيع عليها شيئاً من الألف ليلة وليلة التي تتسع لثلاثة "بطون".....!!!

-*-*-*-*-*-*--

الخلاصة:
......والخلاصة التي يهم أن تعرف هي أن شهرزاد ، وقد عمدت إلى هذه الحيلة اللبقة ، قد أنقذت نفسها ...وأن مهارتها في سرد الحكايات هي التي أنقذت حياتها....وفي هذا من التشويق لقراءة الكتاب ...ومن استثارة "حشرية" القارئ ما فيه....وهو الأصل.

وكل ما عدا ذلك فمن التفاصيل التي يتطلع إليها البحاثون المنقبون ، ولا يأبه بها القارئ العادي.

ما هو كتاب "ألف ليلة وليلة"

(( ألف ليلة وليلة)) مجموعة من الحكايات التي لم يتفق ، بعد ، أن اجتمع مثلها في كتاب واحد....

فهي تتناول أخبار الإنس والجن والأرواح والملائكة والعفاريت والإنسان والحيوان والرجال والنساء ، الموتى والأحياء ، الحكام وأبناء الرعية واللصوص والأشراف ، التجار والصنّاع والبحارين والفلاحين ، السرقة والقتلة والسحرة والمحتالين والنصابين والحشاشين ، الأسخياء والبخلاء العقّال والجهلة الصادقين المستقيمين والمنافقين المواربين ، رجال الدنيا والدين ، المارقين والمتعبدين ، الفطناء والبلهاء والخاملين ، أبناء الزنى وأبناء الصدف العجيبة ، والشيوخ والسفهاء والصبيان والعقال النابغين ، الكتاب والشعراء والفلاسفة والعلماء والفقهاء والأطباء ، إخوان الصفاء والإخوان الأعداء ، المحبين المتهتهين ، والعشاق الخادعين والمخدوعين....

وتتناول أخبار البنات والأمهات والزوجات والأخوات ، والنساء الماكرات الفاسقات وسمسارات الأعراض ، والمحتالات والنصابات والنساء العالمات الحاكمات الساحرات ، العواقر وسارقات السراقين .......

وتتناول أخبار السباع والضباع والأسود والفيلة والدببة ، الطيور والحيات والأسماك ، الخيل والبغال والحمير، الكلاب والهررة ، القمل والنمل والبراغيث.....

وتتناول أخبار البحار والأنهار ، الممالك والإمارات الجبال والوديان السهول والحقول ، الجنائن والآجام والأدغال والغابات ، الجزائر والخلجان ، المغاور والأنفاق والدهاليز والممرات السرية ، الأجواء وقعور البحار والقرى والمدائن والقصور والبيوت والأكواخ ، الحوانيت والحمامات والخانات والمضارب والخيم ، منازل الأشراف والعائلات والعاهرات والضيوف....

وتتناول أخبار الكنوز المرصودة والجواهر الفريدة والطلاسم والقماقم ، السحر والأفيون ، عجائب الأمور وعجائب المخلوقات ، الصناديق المقفلة على حوريات ، والقناني المختوم فيها على مردة ، الصيد والقنص والرحلات ، السكر والعربدة ، الصداقة والحب ، التقمص والتحول ، التحجير والتبنيج ، الحب المتهته والجمال المضل ، التحاسد والتباغض ، التزاحم والسعايات ، التشهير والدس ، الحبائل والحيل والأخاديع ، الأتراح والأفراح ، الأسرار والأشياء المريبة الغامضة ، التجريب والتعجيز ، الفراق واللقاء ، الزواج والهجر والطلاق ، الإشارات والإيماءات والأحلام ، الخطف والعصيان ، التبريج والتبصير ، السرقة والنصب والاحتيال ، الفسق والفجور، الحكام والأحكام ، المعايشة والمنادمة والطرب، الغدر والقتل والسجن والإعدام ، الفقر المدقع والثروات الضخمة.....

هذا العالم المجنون ....هذا العالم الصاخب....هذا العالم المسحور يبدو لنا في "ألف ليلة وليلة" ...بألف لون ولون ...وألف نغم ونغم ..........وألف شكل وشكل...

هذا العالم المسحور حيث يبدو الإنس جناً والجن من الإنس ، يتزاوج البغال والطيور ، والحيات والعفاريت والمردة مع النساء ، والجنيات مع الرجال، والأرواح مع النساء....

هذا العالم المسحور حيث تختلط الأجناس والأعراق والخلائق ، يصير الإنسان حيواناً ثم يعود إنساناً ، يطير الجواد ويزحف الطائر ، ويتحجر الناس وتتجمد المياه ، وتترمد المخلوقات ، وتتبخر العفاريت وتتقلص المردة وتتكلم الحيوانات لغة الناس ، والناس لغة الحيوانات...

هذا العالم المسحور حيث تنتقل بين مدائن العقيق والنحاس والمرمر والرخام ، في مدائن الأعمدة والقناطر والرواقات ، بين قصر الذهب والقصر الأبلق ، بين وادي النار ووادي الكلاب ، بين غابات الأسود ومغاور الحيات ، ثم تنتقل من مطارح الناس تحت البحار إلى مطارحهم في الجزر ، وقمم الجبال حيث عجائب المخلوقات : رجال طول الواحد منهم قدم ونصف القدم وطول لحيته ثلاثون قدماً ، ورجال طول الواحد منهم خمسون ذراعاً وأنيابه خارجة من فمه كأنياب الفيل ، ورجال أصواتهم أصوات العصافير ، ورجال نصفهم الأعلى رجال ونصفهم الأدنى أسماك ، ورجال يسند أحدهم رأسه على أذن من أذنيه ويتغطى بأذنه الثانية ، ونساء عيونهن قناديل تشع كالشموع أو الشموس فتبدد عتمة الليل ، وثعابين برؤوس القردة والعفاريت ، وقرود أكبر من البغال وهي من أصحاب الصنائع ، وملوك يعمرون 200 سنة ، ووزراء لهم ثلاثمائة سنة....

هذا العالم المجنون حيث يتبوأ عروشاً عالية ، مرعش ملك الجن ، سليمان ملك الناس ، والعفاريت والملائكة والحيوان ، لاب ملكة السحرة ، دولة خاتون وبديعة الجمال ، حاسب وملكة الحيات ، ملك الموت والملك الأزرق ، جليعاد وابنه وردخان ، خسرو وزوجته شيرين ، أبو مرة إبليس ، إلى جانب شاه زمان وشهريار.....

وحيث يسرح ويمرح ، أسياداً مسيدين ، سيران الساحر ، أحمد الدنف ، علي الزيبق ، زريق السمّاك ، حسين الخليع ، حسن شومان ، أحمد اللقيط ، الشاطر علي ، السندباد البحري ، جودر بن عمر التاجر ، بدر باسم ومعروف الإسكافي ، أنيس الجليس ،أنس الوجود ، قطر البر ، أبو قير الصباغ وأبو قير المزين ، عبد الله البحري وعبد الله البري ، عجيب وغريب وسهيم الليل ، دليلة المحتالة وزينب النصابة ، جلنار البحرية ومريم الزنّارية ، قوت القلوب وجوهرة السمندل ، قرة العين ، والورد في الأكمام ، والجارية تودد إلى جانب شهرزاد ودنيازاد.....

هذا العالم المجنون حيث خاتم لبيك ، والقماقم السليمانية ، والسيف الماحق وبساط الريح والمركب الغواص ، والماشي على قدميه أياماً بلياليها فوق أديم البحار والحصان الطائر ، والسحاب الخاطف والناس الأسماك والعصافير الناس ، والعيون الجواهر ، والبطون الكنوز ، والأسفار على جناح عصفور ، والانتقالات في المنام ، والمرايا التي يرى فيها العالم ، وقماقم العاج التي ينظر فيها الوجود....

هذا العالم الصاخب حيث تتعايش الأرواح مع المردة والعفاريت والملائكة والشياطين والحيوان والإنسان والسحرة والحكماء والجهلة والسرقة والنصابون والمحتالون والقتلة والمجرمون....حيث الوصفات العجيبة لإنجاب البنين والتغلب على الأخصام والأعداء ، وقهر الموت ومد آجال الحياة...

حيث تدفن الدمى مكان الموتى ، وتفقر العيون وتبقر البطون ، ويصير التظاهر بالجنون ، ويسود الأفيون ، ويتنكر الرجال في أزياء النساء والنساء في أزياء الرجال ، ويدرك الرجال مراتع الحريم في صناديق مقفلة ، ويحضر الغائب على جناح العفريت لشعرة تحترق أو خاتم يفرك ، ويحترب النمل ، ويعشق الحمار ، ويحب البغل ويوضع العلم في التجربة ثم يقتل الفاشل ، ويسرق اللصوص الجاويشية ، ويسرق اللصوص اللصوص ، ويجرم الحب ويحيي ويميت وينقذ.....

وحيث تدفن النساء أحياء مع أزواجهن ، وتنكشف الكنوز بالرؤيا وبالرقيا ، والزواج الأبيض والنساء المخدوعات الخادعات والرجال المخدوعين ، والببغاء تساعد على البغاء وثروات تنفق وتركات "تبعزق" ، وشيوخ يجهلون ، وصغار ينصحون ، ودم يهرق وأعراض تباح وأخلاق تضام وكرامات تهون....

هذا العالم الصاخب في هذا الكتاب العجيب الذي فيه من القوى الخارقة ، ووصف المعارك والحروب ، وتصوير الماتي والأبطال مالا يستطيع أن يشمخ على مثله هوميروس ...والذي فيه من تبيين الطباع وتعريف التقاليد والعادات ، وإحياء الأشخاص وتعييشهم ما يحار عند بعضه بلزاك.....والذي فيه من ابتكار العوالم ، واستحداث المعجزات وقهر المسافات ، وركوب متن الهواء والغوص في قيعان البحار ما لم يصل إلى تصور مثله جول فيرن....والذي فيه من المفاجآت والتقلبات والعجائب والغرائب ما بهتت عنده أخبار روكنبول ....والذي فيه من الواقعية والفسق والفجور ، وتبادل الحب ما يبيض وجه زولا وما لم يبلغ إلى مثله الأدب الفاجر المعاصر.....والذي فيه من الألوان والأنغام والوجوه العجيبة والأصوات الغريبة والتصرفات الشاذة المريبة وتصوير لمختلف التحسسات والملذات والعواطف ما لو جمع وقيس بما بلغ إليه عشرات الرسامين والموسيقيين والقصاصين لما جاءوا بمقداره ومثله.....

هذا العالم المسحور ، الصاخب المجنون ، المتحرك الثائر ، الملتهب المشع ، المقهقه العابس ، المتعاظم المتمرد ، الموحول الوسخ ، المتسامي الغائر الحالم الخامل ، الحائر الثرثار ، المريض الجاهل الحكيم العليم ، البصير الأعمى والمتشوف القاعد....

هذا العالم الصاخب ، في هذا الكتاب العجيب ، حيث لا تضيع الفكاهة ولا تفقد النكتة ، ولا يغيب الوصف الدقيق لعادات الناس وتقاليدهم ، لطباعهم ومناقبهم ، لصفاتهم وأزيائهم وأحوال معيشتهم...

وحيث لا تحتجب الحكمة والعظة والعبرة ، ولا تهمل الإشارات والتلميحات والإيماءات ، ولا تستبعد الاستشهادات بأقوال الحكماء والفلاسفة والأدباء والشعراء ، ولا يذهل عن التبشير باسم الله والدعوة إلى الدين الحنيف.....وحيث الله دائم الحضور في عون أخياره واللائذين به ، والملائكة لا تخيب آمال الصالحين ، ولا يتقاعس الشياطين والعفاريت في خدمة أزلامهم ، ولا ينبو الجن عن أشياعه....

هذا العالم المسحور ، الصاخب ، المجنون ، العجيب الغريب ، كله يروح ويجيء ، يهدأ ويتحرك ، يسكت ويصرخ في "ألف ليلة وليلة" على أروع ما يكون الذهاب والإياب ، الهدوء والحركة ، والسكوت والصراخ......

وهو حي في أصخب ما تكون الحياة ، نابض بالخلق ، مثقل بالحكمة ، ممتع باللون والنغم ، يستحيل أن يكون من خلق دماغ بشري واحد ، وخيال بشري واحد ، لأنه يستحيل على الدماغ البشري الواحد ، أو الخيال البشري الواحد أن يتفتقا عن قدر ما يظهر في "ألف ليلة وليلة" من أشياء وأشياء.....

وقد يكون في هذا ما يرتفع ب "ألف ليلة وليلة" إلى مصارف الملحمات العالمية والروائع الإنسانية الخالدة.
__________________
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 06-06-2010, 03:00 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي

أسلوب الكتاب

هل يضير أسلوب هذه الحكايات أن يكون أبداً ومن البداية إلى النهاية أسلوب الحكاية بالذات...؟؟؟!!

هل يضيره أن يكون مبسطاً سهلاً سلساً رائقاً كعين الديك ، وأن يكون مقعراً مجعداً متكلفاً فيه ، زميتاً ومحنطاً....؟؟؟!!

هل يضيره أن يكون شعبياً من الشعب وللشعب ، وألا يكون أرستقراطياً من الخاصة للخاصة....؟؟!!

وهل يضيره أن يكون منوعاً : رشيق هنا ، وبليد هناك ، عبوس هنا ، وباسم هناك ، وقور هنا ، وسوقي هناك ، صحيح هنا ومتقلقل هناك.....؟؟!!!!

وهل يضيره أن يتبسط بالوصف في مكان ، وأن يكون بالسرد في آخر ، أن يترصن مع الحكمة في مكان ، وأن يخف مع الصلف في آخر ، وأن يتمهل عند الوقائع في مكان ، وأن يحمل على المتعة في آخر ، أن يقف عند حد ما يعنيه في مكان ، وأن يحمّل فوق ما يعنيه في آخر ، أن يقول ويفيد في مكان وأن ينشد ويوحي في آخر.....؟؟!!

وهل يضيره أن يكون مرسلاً ومسجعاً ، أن ينثر وينظم ، أن يشتد ويلين ، أن يعرب ويطلق وفق ما تجد الحاجة مكاناً لهذا النحو من الكتابة أو لذاك....؟؟!!

أسلوب الحكايات وكيف يجب أن تحكى ، هو أسلوب "ألف ليلة وليلة"..... لو أن هذه الحكايات صاغها أديب كابن المقفع ، أو الجاحظ ، أو ابن عبد ربه ، أو رابع غير هؤلاء الثلاثة في أسلوب تعصمه الفصاحة وترويه البلاغة ، ويطمئن إليه البيان ، لما كانت مشت "ألف ليلة وليلة" طريقها الظافر إلى قلوب الناس ولما كانت فعلت فعلها في نفوسهم ، وتركت أثرها في حياتهم ، ولما كانت في حين قوتهم اليومي وزاد كل ساعة.....

ولو أن حكايات "ألف ليلة وليلة" كتبت على طريقة ابن المقفع أو الجاحظ أو ابن عبد ربه ، لكان يجب أن تعاد كتابتها من جديد بطريقة "ألف ليلة وليلة" وبالأسلوب الذي تجد نفسها فيه هذه الحكايات.....

فالحمد لله ثم الحمد لله على أن هذه الحكايات من منابع كثيرة ، ومن ديار عديدة ، ومن أقلام متنوعة ، وفي مثل هذا الأسلوب.....

ولولا ذلك لما وجدنا حاجة إلى وضعها بين أيدي الناس مرة ، ومثنى وثلاث ، ثم العودة إلى طرحها في السوق مرة رابعة....

وحسبنا ، في كل هذا ، أننا نعيد إلى الناس كتاباً كتبته عامة الناس لعامة الناس ، فصار من حقها أن تأمر بطبعه ، وبإعادة طبعه كلما قارب أن ينفد....

-*-*-*-*-*-*-*-*-
__________________
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-06-2010, 03:02 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي

أمثلة من كتاب ألف ليلة وليلة:


حكايات الملك شهريار وأخيه الملك شاه الزمان

حكي والله أعلم أنه كان فيما مضى من قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك من ملوك ساسان بجزائر الهند والصين صاحب جند وأعوان وخدم وحشم له ولدان أحدهما كبير والآخر صغير وكانا بطلين وكان الكبير أفرس من الصغير وقد ملك البلاد وحكم بالعدل بين العباد وأحبه أهل بلاده ومملكته وكان اسمه الملك شهريار وكان أخوه الصغير اسمه الملك شاه زمان وكان ملك سمرقند العجم، ولم يزل الأمر مستقيماً في بلادهما وكل واحد منهما في مملكته حاكم عادل في رعيته مدة عشرين سنة وهم في غاية البسط والانشراح.

لم يزالا على هذه الحالة إلى أن اشتاق الكبير إلى أخيه الصغير فأمر وزيره أن يسافر إليه ويحضر به فأجابه بالسمع والطاعة وسافر حتى وصل بالسلامة ودخل على أخيه وبلغه السلام وأعلمه أن أخاه مشتاق إليه وقصده أن يزوره فأجابه بالسمع والطاعة وتجهز وأخرج خيامه وبغاله وخدمه وأعوانه وأقام وزيره حاكماً في بلاده وخرج طالباً بلاد أخيه.

فلما كان في نصف الليل تذكر حاجة نسيها في قصره فرجع ودخل قصره فوجد زوجته راقدة في فراشه معانقة عبداً أسود من العبيد، فلما رأى هذا اسودت الدنيا في وجهه وقال في نفسه: إذا كان هذا الأمر قد وقع وأنا ما فارقت المدينة فكيف حال هذه العاهرة إذا غبت عند أخي مدة، ثم أنه سل سيفه وضرب الاثنين فقتلهما في الفراش ورجع من وقته وساعته وسار إلى أن وصل إلى مدينة أخيه ففرح أخيه بقدومه ثم خرج إليه ولاقاه وسلم عليه ففرح به غاية الفرح وزين له المدينة وجلس معه يتحدث بانشراح فتذكر الملك شاه زمان ما كان من أمر زوجته فحصل عنده غم زائد واصفر لونه وضعف جسمه، فلما رآه أخوه على هذه الحالة ظن في نفسه أن ذلك بسبب مفارقته بلاده وملكه فترك سبيله ولم يسأل عن ذلك.

ثم أنه قال له في بعض الأيام: يا أخي أنا في باطني جرح، ولم يخبره بما رأى من زوجته، فقال: إني أريد أن تسافر معي إلى الصيد والقنص لعله ينشرح صدرك فأبى ذلك فسافر أخوه وحده إلى الصيد.

وكان في قصر الملك شبابيك تطل على بستان أخيه فنظروا وإذا بباب القصر قد فتح وخرج منه عشرون جارية وعشرون عبداً وامرأة أخيه تمشي بينهم وهي غاية في الحسن والجمال حتى وصلوا إلى فسقية وخلعوا ثيابهم وجلسوا مع بعضهم، وإذا بامرأة الملك قالت: يا مسعود، فجاءها عبد أسود فعانقها وعانقته وواقعها وكذلك باقي العبيد فعلوا بالجواري، ولم يزالوا في بوس وعناق ونحو ذلك حتى ولى النهار.

فلما رأى أخو الملك فقال: والله إن بليتي أخف من هذه البلية، وقد هان ما عنده من القهر والغم وقال: هذا أعظم مما جرى لي، ولم يزل في أكل وشرب.

وبعد هذا جاء أخوه من السفر فسلما على بعضهما، ونظر الملك شهريار إلى أخيه الملك شاه زمان وقد رد لونه واحمر وجهه وصار يأكل بشهية بعدما كان قليل الأكل، فتعجب من ذلك وقال: يا أخي، كنت أراك مصفر الوجه والآن قد رد إليك لونك فأخبرني بحالك، فقال له: أما تغير لوني فأذكره لك واعف عني إخبارك برد لوني، فقال له: أخبرني أولاً بتغير لونك وضعفك حتى أسمعه.

فقال له: يا أخي، إنك لما أرسلت وزيرك إلي يطلبني للحضور بين يديك جهزت حالي وقد بررت من مدينتي، ثم أني تذكرت الخرزة التي أعطيتها لك في قصري فرجعت فوجدت زوجتي معها عبد أسود وهو نائم في فراشي فقتلتهما وجئت عليك وأنا متفكر في هذا الأمر، فهذا سبب تغير لوني وضعفي، وأما رد لوني فاعف عني من أن أذكره لك.

فلما سمع أخوه كلامه قال له: أقسمت عليك بالله أن تخبرني بسبب رد لونك، فأعاد عليه جميع ما رآه فقال شهريار لأخيه شاه زمان: اجعل أنك مسافر للصيد والقنص واختف عندي وأنت تشاهد ذلك وتحققه عيناك، فنادى الملك من ساعته بالسفر فخرجت العساكر والخيام إلى ظاهر المدينة وخرج الملك ثم أنه جلس في الخيام وقال لغلمانه لا يدخل علي أحد، ثم أنه تنكر وخرج مختفياً إلى القصر الذي فيه أخوه وجلس في الشباك المطل على البستان ساعة من الزمان وإذا بالجواري وسيدتهم دخلوا مع العبيد وفعلوا كما قال أخوه واستمروا كذلك إلى العصر.

فلما رأى الملك شهريار ذلك الأمر طار عقله من رأسه وقال لأخيه شاه زمان: قم بنا نسافر إلى حال سبيلنا وليس لنا حاجة بالملك حتى ننظر هل جرى لأحد مثلنا أو لا فيكون موتنا خير من حياتنا، فأجابه لذلك. ثم أنهما خرجا من باب سري في القصر ولم يزالا مسافرين أياماً وليالي إلى أن وصلا إلى شجرة في وسط مرج عندها عين بجانب البحر المالح فشربا من تلك العين وجلسا يستريحان. فلما كان بعد ساعة مضت من النهار وإذا هم بالبحر قد هاج وطلع منه عمود أسود صاعد إلى السماء وهو قاصد تلك المرجة. فلما رأيا ذلك خافا وطلعا إلى أعلى الشجرة وكانت عالية وصارا ينظران ماذا يكون الخبر، وإذا بجني طويل القامة عريض الهامة واسع الصدر على رأسه صندوق فطلع إلى البر وأتى الشجرة التي هما فوقها وجلس تحتها وفتح الصندوق وأخرج منه علبة ثم فتحها فخرجت منها صبية بهية كأنها الشمس المضيئة
كما قال الشاعر:

أشرقت في الدجى فلاح النهار
واستنارت بنورها الأسحـار

من سناها الشموس تشرق لما
تنبدي وتنجـلـي الأقـمـار

تسجد الكـائنـات بـين يديهـا
حين تبدو وتهتـك الأسـتـار

وإذا أومضت بروق حمـاهـا
هطلت بالمدامع الأمـطـار
قال: فلما نظر إليها الجني قال: يا سيدة الحرائر التي قد اختطفتك ليلة عرسك أريد أن أنام قليلاً، ثم أن الجني وضع رأسه على ركبتيها ونام فرفعت رأسها إلى أعلى الشجرة فرأت الملكين وهما فوق تلك الشجرة فرفعت رأس الجني من فوق ركبتيها ووضعته على الأرض ووقفت تحت الشجرة وقالت لهما بالإشارة انزلا ولا تخافا من هذا العفريت فقالا لها: بالله عليك أن تسامحينا من هذا الأمر، فقال لهما بالله عليكما أن تنزلا وإلا نبهت عليكما العفريت فيقتلكما شر قتلة، فخافا ونزلا إليها فقامت لهما وقالت ارصعا رصعاً عنيفاً وإلا أنبه عليكما العفريت، فمن خوفهما قال الملك شهريار لأخيه الملك شاه زمان: يا أخي افعل ما أمرتك به فقال: لا أفعل حتى تفعل أنت قبلي، وأخذا يتغامزان على نكاحها فقالت لهما ما أراكما تتغامزان فإن لم تتقدما وتفعلا وإلا نبهت عليكما العفريت، فمن خوفهما من الجني فعلا ما أمرتهما به فلما فرغا قالت لهما أقفا وأخرجت لهما من جيبها كيساً وأخرجت لهما منه عقداً فيه خمسمائة وسبعون خاتماً، فقالت لهما: أتدرون ما هذه؟ فقالا لها: لا ندري فقالت لهما أصحاب هذه الخواتم كلهم كانوا يفعلون بي على غفلة قرن هذا العفريت فأعطياني خاتميكما أنتما الاثنان الأخران فأعطاها من يديهما خاتمين فقالت لهما أن هذا العفريت قد اختطفني ليلة عرسي ثم أنه وضعني في علبة وجعل العلبة داخل الصندوق ورمى على الصندوق سبعة أقفال وجعلني في قاع البحر العجاج المتلاطم بالأمواج، ويعلم أن المرأة منا إذا أرادت أمر لم يغلبها شيء كما قال بعضهم:

لا تأمنن إلى النـسـاء
ولا تثق بعهـودهـن

فرضاؤهن وسخطهن
معلق بفـروجـهـن

بيدين وداً كـاذبـــاً
والغدر حشو ثيابهـن

بحديث يوسف فاعتبر
متحذراً من كيدهـن

أو ما تـرى إبـلـيس

فلما سمعا منها هذا الكلام تعجبا غاية العجب وقالا لبعضهما: إذا كان هذا عفريتاً وجرى له أعظم مما جرى لنا فهذا شيء يسلينا. ثم أنهما انصرفا من ساعتهما ورجعا إلى مدينة الملك شهريار ودخلا قصره. ثم أنه رمى عنق زوجته وكذلك أعناق الجواري والعبيد، وصار الملك شهريار كلما يأخذ بنتاً بكراً يزيل بكارتها ويقتلها من ليلتها، ولم يزل على ذلك مدة ثلاث سنوات فضجت الناس وهربت ببناتها ولم يبق في تلك المدينة بنت تتحمل الوطء.

ثم أن الملك أمر الوزير أن يأتيه بنت على جري عادته، فخرج الوزير وفتش فلم يجد بنتاً فتوجه إلى منزله وهو غضبان مقهور خايف على نفسه من الملك. وكان الوزير له بنتان ذاتا حسن وجمال وبهاء وقد واعتدال الكبيرة اسمها شهرزاد والصغيرة اسمها دنيازاد، وكانت الكبيرة قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضيين. قيل أنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء فقالت لأبيها: مالي أراك متغيراً حامل الهم والأحزان وقد قال بعضهم في المعنى شعراً: قل لمن يحمل همـاً إن هـمـاً لا يدوم

مثل ما يفنى السرور هكذا تفنى الهمـوم

فلما سمع الوزير من ابنته هذا الكلام حكى لها ما جرى له من الأول إلى الآخر مع الملك فقالت له: بالله يا أبت زوجني هذا الملك فإما أن أعيش وإما أن أكون فداء لبنات المسلمين وسبباً لخلاصهن من بين يديه، فقال لها: بالله عليك لا تخاطري بنفسك أبداً، فقالت له: لا بد من ذلك فقال: أخشى عليك أن يحصل لكن ما حصل الحمار والثور مع صاحب الزرع، فقالت له: وما الذي جرى لهما يا أبت؟

هيا بنا نذهب لنسمع منه ما سيقصه لابنته

حكاية الحمار والثور مع صاحب الزرع

قال: اعلمي يا ابنتي أنه كان لبعض التجار أموال ومواش وكان له زوجة وأولاد وكان الله تعالى أعطاه معرفة ألسن الحيوانات والطير وكان مسكن ذلك التاجر الأرياف وكان عنده في داره حمار وثور فأتى يوماً الثور إلى مكان الحمار فوجده منكوساً مرشوشاً وفي معلفه شعير مغربل وتبن مغربل وهو راقد مستريح، وفي بعض الأوقات ركبه صاحبه لحاجة تعرض له ويرجع على حاله، فلما كان في بعض الأيام سمع التاجر الثور وهو يقول للحمار: هنيئاً لك ذلك، أنا تعبان وأنت مستريح تأكل الشعير مغربلاً ويخدمونك وفي بعض الأوقات يركبك صاحبك ويرجع وأنا دائماً للحرث.

فقال له الحمار: إذا خرجت إلى الغيط ووضعوا على رقبتك الناف فارقد ولا تقم ولو ضربوك فإن قمت فارقد ثانياً فإذا رجعوا بك ووضعوا لك الفول فلا تأكله كأنك ضعيف وامتنع عن الأكل والشرب يوماً أو يومين أو ثلاثة فإنك تستريح من التعب والجهد، وكان التاجر يسمع كلامهما، فلما جاء السواق إلى الثور بعلفه أكل منه شيئاً يسيراً فأصبح السواق يأخذ الثور إلى الحرث فوجده ضعيفاً فقال له التاجر: خذ الحمار وحرثه مكانه اليوم كله، فلما رجع آخر النهار شكره الثور على تفضلاته حيه أراحه من التعب في ذلك اليوم فلم يرد عليه الحمار جواباً وندم أشد الندامة، فلما رجع كان ثاني يوم جاء المزارع وأخذ الحمار وحرثه إلى آخر النهار فلم يرجع إلا مسلوخ الرقبة شديد الضعف فتأمله الثور وشكره ومجده فقال له الحمار: أعلم أني لك ناصح وقد سمعت صاحبنا يقول: إن لم يقم الثور من موضعه فأعطوه للجزار ليذبحه ويعمل جلده قطعاً وأنا خائف عليك ونصحتك والسلام.

فلما سمع الثور كلام الحمار شكره وقال في غد أسرح معهم، ثم أن الثور أكل علفه بتمامه حتى لحس المذود بلسانه، كل ذلك وصاحبهما يسمع كلامهما، فلما طلع النهار وخرج التاجر وزوجه إلى دار البقر وجلسا فجاء السواق وأخذ الثور وخرج، فلما رأى الثور صاحبه حرك ذنبه وظرط وبرطع، فضحك التاجر حتى استلقى على قفاه.

فقالت له زوجته: من أي شيء تضحك فقال لها: شيء رأيته وسمعته ولا أقدر أن أبيح به فأموت، فقالت له: لا بد أن تخبرني بذلك وما سبب ضحكك ولو كنت تموت، فقال لها: ما أقدر أن أبوح به خوفاً من الموت، فقالت له: أنت لم تضحك إلا علي. ثم أنها لم تزل تلح عليه وتلح في الكلام إلى أن غلبت عليه، فتحير أحضر أولاده وأرسل أحضر القاضي والشهود وأراد أن يوصي ثم يبوح لها بالسر ويموت لأنه كان يحبها محبة عظيمة لأنها بنت عمه وأم أولاده وكان عمر من العمر مائة وعشرين سنة.

ثم أنه أرسل وأحضر جميع أهلها وأهل جارته وقال لهم حكايته وأنه متى قال لأحد على سره مات، فقال لها جميع الناس ممن حضر: بالله عليك اتركي هذا الأمر لئلا يموت زوجك أبو أولادك، فقالت لهم: لا أرجع عنه حتى يقول لي ولو يموت. فسكتوا عنها. ثم أن التاجر قام من عندهم وتوجه إلى دار الدواب ليتوضأ ثم يرجع يقول لهم ويموت.

وكان عنده ديك تحته خمسون دجاجة، وكان عنده كلب، فسمع التاجر الكلب وهو ينادي الديك ويسبه ويقول له: أنت فرحان وصاحبنا رايح يموت، فقال الديك للكلب: وكيف ذلك الأمر؟ فأعاد الكلب عليه القصة فقال له الديك: والله إن صاحبنا قليل العقل. أنا لي خمسون زوجة أرضي هذه وأغضب هذه وهو ما له إلا زوجة واحدة ولا يعرف صلاح أمره معها، فما له لا يأخذ لها بعضاً من عيدان التوت ثم يدخل إلى حجرتها ويضربها حتى تموت أو تتوب ولا تعود تسأله عن شيء.

قال: فلما سمع التاجر كلام الديك وهو يخاطب الكلب رجع إلى عقله وعزم على ضربها، ثم قال الوزير لابنته شهرزاد ربما فعل بك مثل ما فعل التاجر بزوجته، فقالت له: ما فعل؟ قال: دخل عليها الحجرة بعدما قطع لها عيدان التوت وخبأها داخل الحجرة وقال لها: تعالي داخل الحجرة حتى أقول لك ولا ينظرني أحد ثم أموت، فدخلت معه، ثم أنه قفل باب الحجرة عليهما ونزل عليها بالضرب إلى أن أغمي عليها، فقالت له: تبت، ثم أنها قبلت يديه ورجليه وتابت وخرجت وإياه وفرح الجماعة وأهلها وقعدوا في أسر الأحوال إلى الممات.

فلما سمعت ابنة الوزير مقالة أبيها قالت له: لا بد من ذلك، فجهزها وطلع إلى الملك شهريار وكانت قد أوصت أختها الصغيرة وقالت لها: إذا توجهت إلى الملك أرسلت أطلبك فإذا جئت عندي ورأيت الملك قضى حاجته مني قولي يا أختي حدثينا حديثاً غريباً نقطع به السهر وأنا أحدثك حديثاً يكون فيه الخلاص إن شاء الله.

ثم أن أباها الوزير طلع بها إلى الملك فلما رآه فرح وقال: أتيت بحاجتي فقال: نعم، فلما أراد أن يدخل عليها بكت، فقال لها: ما بك؟ فقالت: أيها الملك إن لي أختاً صغيرة أريد أن أودعها، فأرسلها الملك إليها فجاءت إلى أختها وعانقتها وجلست تحت السرير فقام الملك وأخذ بكارتها ثم جلسوا يتحدثون، فقالت لها أختها الصغيرة: بالله عليك يا أختي حدثينا حديثاً نقطع به سهر ليلتنا فقالت: حباً وكرامة إن أذن الملك المهذب، فلما سمع ذلك الكلام وكان به قلق ففرح بسماع الحديث.
التاجر مع العفريت
__________________
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 06-06-2010, 03:03 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي


الليلة الأولى

قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أنه كان تاجر من التجار، كثير المال والمعاملات في البلاد قد ركب يوماً وخرج يطالب في بعض البلاد فاشتد عليه الحر فجلس تحت شجرة وحط يده في خرجه وأكل كسرة كانت معه وتمرة، فلما فرغ من أكل التمرة رمى النواة وإذا هو بعفريت طويل القامة وبيده سيف، فدنا من ذلك التاجر وقال له: قم حتى أقتلك مثل ما قتلت ولدي، فقال له التاجر: كيف قتلت ولدك؟ قال له: لما أكلت التمرة ورميت نواتها جاءت النواة في صدر ولدي فقضي عليه ومات من ساعته فقال التاجر للعفريت: أعلم أيها العفريت أني على دين ولي مال كثير وأولاد وزوجة وعندي رهون فدعني أذهب إلى بيتي وأعطي كل ذي حق حقه ثم أعود إليك، ولك علي عهد وميثاق أني أعود إليك فتفعل بي ما تريد والله على ما أقول وكيل. فاستوثق منه الجني وأطلقه فرجع إلى بلده وقضى جميع تعلقاته وأوصل الحقوق إلى أهلها وأعلم زوجته وأولاده بما جرى له فبكوا وكذلك جميع أهله ونساءه وأولاده وأوصى وقعد عندهم إلى تمام السنة ثم توجه وأخذ كفنه تحت إبطه وودع أهله وجيرانه وجميع أهله وخرج رغماً عن أنفه وأقيم عليه العياط والصراخ فمشى إلى أن وصل إلى ذلك البستان وكان ذلك اليوم أول السنة الجديدة فبينما هو جالس يبكي على ما يحصل له وإذا بشيخ كبير قد أقبل عليه ومعه غزالة مسلسلة فسلم على هذا التاجر وحياه وقال له: ما سبب جلوسك في هذا المكان وأنت منفرد وهو مأوى الجن؟ فأخبره التاجر بما جرى له مع ذلك العفريت وبسبب قعوده في هذا المكان فتعجب الشيخ صاحب الغزالة وقال: والله يا أخي ما دينك إلا دين عظيم وحكايتك حكاية عجيبة لو كتبت بالإبر على آفاق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر ثم أنه جلس بجانبه وقال والله يا أخي لا أبرح من عندك حتى أنظر ما يجري لك مع ذلك العفريت ثم أنه جلس عنده يتحدث معه فغشي على ذلك التاجر وحصل له الخوف والفزع والغم الشديد والفكر المزيد وصاحب الغزالة بجانبه فإذا بشيخ ثان قد أقبل عليهما ومعه كلبتان سلاقيتان من الكلاب السود. فسألهما بعد السلام عليهما عن سبب جلوسهما في هذا المكان وهو مأوى الجان فأخبراه بالقصة من أولها إلى آخرها فلم يستقر به الجلوس حتى أقبل عليهم شيخ ثالث ومعه بغلة زرزورية فسلم عليهم وسألهم عن سبب جلوسهم في هذا المكان فأخبروه بالقصة من أولها إلى آخرها وبينما كذلك إذا بغبرة هاجت وزوبعة عظيمة قد أقبلت من وسط تلك البرية فانكشفت الغبرة وإذا بذلك الجني وبيده سيف مسلول وعيونه ترمي بالشرر فأتاهم وجذب ذلك التاجر من بينهم وقال له: قم أقتلك مثل ما قتلت ولدي وحشاشة كبدي فانتحب ذلك التاجر وبكى وأعلن الثلاثة شيوخ بالبكاء والعويل والنحيب فانتبه منهم الشيخ الأول وهو صاحب الغزالة وقبل يد ذلك العفريت وقال له: يا أيها الجني وتاج ملوك الجان إذا حكيت لك حكايتي مع هذه الغزالة ورأيتها عجيبة، أتهب لي ثلث دم هذا التاجر؟ قال: نعم. يا أيها الشيخ، إذا أنت حكيت لي الحكاية ورأيتها عجيبة وهبت لك ثلث دمه فقال ذلك الشيخ الأول: اعلم يا أيها العفريت أن هذه الغزالة هي بنت عمي ومن لحمي ودمي وكنت تزوجت بها وهي صغيرة السن وأقمت معها نحو ثلاثين سنة فلم أرزق منها بولد فأخذت لي سرية فرزقت منها بولد ذكر كأنه البدر إذا بدا بعينين مليحتين وحاجبين مزججين وأعضاء كاملة فكبر شيئاً فشيئاً إلى أن صار ابن خمس عشرة سنة فطرأت لي سفرة إلى بعض المدائن فسافرت بمتجر عظيم وكانت بنت عمي هذه الغزالة تعلمت السحر والكهانة من صغرها فسحرت ذلك الولد عجلاً وسحرت الجارية أمه بقرة وسلمتها إلى الراعي، ثم جئت أنا بعد مدة طويلة من السفر فسألت عن ولدي وعن أمه فقالت لي جاريتك ماتت وابنك هرب ولم أعلم أين راح فجلست مدة سنة وأنا حزين القلب باكي العين إلى أن جاء عيد الضحية فأرسلت إلى الراعي أن يخصني ببقرة سمينة وهي سريتي التي سحرتها تلك الغزالة فشمرت ثيابي وأخذت السكين بيدي وتهيأت لذبحها فصاحت وبكت بكاء شديداً فقمت عنها وأمرت ذلك الراعي فذبحها وسلخها فلم يجد فيها شحماً ولا لحماً غير جلد وعظم فندمت على ذبحها حيث لا ينفعني الندم وأعطيتها للراعي وقلت له:

ائتني بعجل سمين فأتاني بولدي المسحور عجلاً فلما رآني ذلك العجل قطع حبله وجاءني وتمرغ علي وولول وبكى فأخذتني الرأفة عليه وقلت للراعي ائتني ببقرة ودع هذا. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. فقالت لها أختها: ما أطيب حديثك وألطفه وألذه وأعذبه فقالت: وأين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك فقال الملك في نفسه: والله ما أقتلها حتى أسمع بقية حديثها ثم أنهم باتوا تلك الليلة إلى الصباح متعانقين فخرج الملك إلى محل حكمه وطلع الوزير بالكفن تحت إبطه ثم حكم الملك وولي وعزل إلى آخر النهار ولم يخبر الوزير بشيء من ذلك فتعجب الوزير غاية العجب ثم انفض الديوان ودخل الملك شهريار قصره.
__________________
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-06-2010, 03:03 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي

وفي الليلة الثانية

وقالت دنيازاد لأختها شهرزاد: يا أختي أتممي لنا حديثك الذي هو حديث التاجر والجني. قالت حباً وكرامة إن أذن لي الملك، في ذلك، فقال لها الملك: احكي، فقالت: بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد أنه لما رأى بكاء العجل حن قلبه إليه وقال للراعي: ابق هذا العجل بين البهائم. كل ذلك والجني يتعجب من حكاية ذلك الكلام العجيب ثم قال صاحب الغزالة: يا سيد ملوك الجان كل ذلك جرى وابنة عمي هذه الغزالة تنظر وترى وتقول اذبح هذا العجل فإنه سمين، فلم يهن علي أن أذبحه وأمرت الراعي أن يأخذه وتوجه به، ففي ثاني يوم وأنا جالس وإذا بالراعي أقبل علي وقال: يا سيدي إني أقول شيئاً تسر به ولي البشارة. فقلت: نعم فقال: أيها التاجر إن لي بنتاً كانت تعلمت السحر في صغرها من امرأة عجوز كانت عندنا، فلما كنا بالأمس وأعطيتني العجل دخلت به عليها فنظرت إليه ابنتي وغطت وجهها وبكت ثم إنها ضحكت وقالت: يا أبي قد خس قدري عندك حتى تدخل علي الرجال الأجانب. فقلت لها: وأين الرجال الأجانب ولماذا بكيت وضحكت؟ فقالت لي أن هذا العجل الذي معك ابن سيدي التاجر ولكنه مسحور وسحرته زوجة أبيه هو وأمه فهذا سبب ضحكي وأما سبب بكائي فمن أجل أمه حيث ذبحها أبوه فتعجبت من ذلك غاية العجب وما صدقت بطلوع الصباح حتى جئت إليك لأعلمك فلما سمعت أيها الجني كلام هذا الراعي خرجت معه وأنا سكران من غير مدام من كثرة الفرح والسرور والذي حصل لي إلى أن أتيت إلى داره فرحبت بي ابنة الراعي وقبلت يدي ثم إن العجل جاء إلي وتمرغ علي فقلت لابنة الراعي: أحق ما تقولينه عن ذلك العجل؟ فقالت: نعم يا سيدي إيه ابنك وحشاشة كبدك فقلت لها: أيها الصبية إن أنت خلصتيه فلك عندي ما تحت يد أبيك من المواشي والأموال فتبسمت وقالت: يا سيدي ليس لي رغبة في المال إلا بشرطين: الأول: أن تزوجني به والثاني: أن أسر من سحرته وأحبسها وإلا فلست آمن مكرها فلما سمعت أيها الجني كلام بنت الراعي قلت: ولك فوق جميع ما تحت يد أبيك من الأموال زيادة وأما بنت عمي فدمها لك مباح.

فلما سمعت كلامي أخذت طاسة وملأتها ماء ثم أنها عزمت عليها ورشت بها العجل وقالت:

إن كان الله خلقك عجلاً فدم على هذه الصفة ولا تتغير وإن كنت مسحوراً فعد إلى خلقتك الأولى بإذن الله تعالى وإذا به انتفض ثم صار إنساناً فوقعت عليه وقلت له: بالله عليك احك لي جميع ما صنعت بك وبأمك بنت عمي فحكى لي جميع ما جرى لهما فقلت: يا ولدي قد قيض الله لك من خلصك وخلص حقك ثم إني أيها الجني زوجته ابنة الراعي ثم أنها سحرت ابنة عمي هذه الغزالة وجئت إلى هنا فرأيت هؤلاء الجماعة فسألتهم عن حالهم فأخبروني بما جرى لهذا التاجر فجلست لأنظر ما يكون وهذا حديثي فقال الجني: هذا حديث عجيب وقد وهبت لك ثلث دمه فعند ذلك تقدم الشيخ صاحب الكلبتين السلاقيتين وقال له: اعلم يا سيد ملوك الجان أن هاتين الكلبتين أخوتي وأنا ثالثهم ومات والدي وخلف لنا ثلاثة آلاف دينار ففتحت دكاناً أبيع فيه وأشتري وسافر أخي بتجارته وغاب عنا مدة سنة مع القوافل ثم أتى وما معه شيء فقلت له: يا أخي أما أشرت عليك بعدم السفر؟ فبكى وقال: يا أخي قدر الله عز وجل علي بهذا ولم يبق لهذا الكلام فائدة ولست أملك شيئاً فأخذته وطلعت به إلى الدكان ثم ذهبت به إلى الحمام وألبسته حلة من الملابس الفاخرة وأكلت أنا وإياه وقلت له: يا أخي إني أحسب ربح دكاني من السنة إلى السنة ثم أقسمه دون رأس المال بيني وبينك ثم إني عملت حساب الدكان من بربح مالي فوجدته ألفي دينار فحمدت الله عز وجل وفرحت غاية الفرح وقسمت الربح بيني وبينه شطرين وأقمنا مع بعضنا أياماً ثم إن أخوتي طلبوا السفر أيضاً وأرادوا أن أسافر معهم فلم أرض وقلت لهم: أي شيء كسبتم من سفركم حتى أكسب أنا؟ فألحوا علي ولم أطعهم بل أقمنا في دكاكيننا نبيع ونشتري سنة كاملة وهم يعرضون علي السفر وأنا لم أرض حتى مضت ست سنوات كوامل.

ثم وافقتهم على السفر وقلت لهم: يا أخوتي إننا نحسب ما عندنا من المال فحسبناه فإذا هو ستة آلاف دينار فقلت: ندفن نصفها تحت الأرض لينفعا إذا أصابنا أمر ويأخذ كل واحد منا ألف دينار ونتسبب فيها قالوا: نعم الرأي فأخذت المال وقسمته نصفين ودفنت ثلاثة آلاف دينار. وأما الثلاثة آلاف الأخرى فأعطيت كل واحد منهم ألف دينار وجهزنا بضائع واكترينا مركباً ونقلنا فيها حوائجنا وسافرنا مدة شهر كامل إلى أن دخلنا مدينة وبعنا بضائعنا فربحنا في الدينار عشرة دنانير ثم أردنا السفر فوجدنا على شاطئ البحر جارية عليها خلق مقطع فقبلت يدي وقالت: يا سيدي هل عندك إحسان ومعروف أجازيك عليهما؟ قلت: نعم إن عندي الإحسان والمعروف ولو لم تجازيني فقالت: يا سيدي تزوجني وخذني إلى بلادك فإني قد وهبتك نفسي فافعل معي معروفاً لأني ممن يصنع معه المعروف والإحسان، ويجازي عليهما ولا يغرنك حالي. فلما سمعت كلامها حن قلبي إليها لأمر يريده الله عز وجل، فأخذتها وكسوتها وفرشت لها في المركب فرشاً حسناً وأقبلت عليها وأكرمتها ثم سافرنا وقد أحبها قلبي محبة عظيمة وصرت لا أفارقها ليلاً ولا نهاراً أو اشتغلت بها عن إخوتي، فغاروا مني وحسدوني على مالي وكثرت بضاعتي وطمحت عيونهم في المال جميعه، وتحدثوا بقتلي وأخذ مالي وقالوا: نقتل أخانا ويصير المال جميعه لنا، وزين لهم الشيطان أعمالهم فجاؤوني وأنا نايم بجانب زوجتي ورموني في البحر فلما استيقظت زوجتي انتفضت فصارت عفريتة وحملتني وأطلعتني على جزيرة وغابت عني قليلاً وعادت إلي عند الصباح، وقالت لي: أنا زوجتك التي حملتك ونجيتك من القتل بإذن الله تعالى، واعلم أني جنية رأيتك فحبك قلبي وأنا مؤمنة بالله ورسوله فجئتك بالحال الذي رأيتني فيه فتزوجت بي وها أنا قد نجيتك من الغرق، وقد غضبت على إخوتك ولا بد أن أقتلهم. فلما سمعت حكايتها تعجبت وشكرتها على فعلها وقلت لها أما هلاك إخوتي فلا ينبغي ثم حكيت لها ما جرى لي معهم من أول الزمان إلى آخره.

فلما سمعت كلامي قالت: أنا في هذه الليلة أطير إليهم وأغرق مراكبهم وأهلكهم، فقلت لها: بالله لا تفعلي فإن صاحب المثل يقول: يا محسناً لمن أساء كفي المسيء فعله وهم إخوتي على كل حال، قالت لا بد من قتلهم، فاستعطفتها ثم أنها حملتني وطارت، فوضعتني على سطح داري ففتحت الأبواب وأخرجت الذي خبأته تحت الأرض وفتحت دكاني بعد ما سلمت على الناس واشتريت بضائع، فلما كان الليل، دخلت داري فوجدت هاتين الكلبتين مربوطتين فيها، فلما رأياني قاما إلي وبكيا وتعلقا بي، فلم أشعر إلا وزوجتي قالت هؤلاء إخوتك فقلت من فعل بهم هذا الفعل قالت أنا أرسلت إلى أختي ففعلت بهم ذلك وما يتخلصون إلا بعد عشر سنوات، فجئت وأنا سائر إليها تخلصهم بعد إقامتهم عشر سنوات، في هذا الحال، فرأيت هذا الفتى فأخبرني بما جرى له فأردت أن لا أبرح حتى أنظر ما يجري بينك وبينه وهذه قصتي.

قال الجني: إنها حكاية عجيبة وقد وهبت لك ثلث دمه في جنايته فعند ذلك تقدم الشيخ الثالث صاحب البغلة، وقال للجني أنا أحكي لك حكاية أعجب من حكاية الاثنين، وتهب لي باقي دمه وجنايته، فقال الجني نعم فقال الشيخ أيها السلطان ورئيس الجان إن هذه البغلة كانت زوجتي سافرت وغبت عنها سنة كاملة، ثم قضيت سفري وجئت إليها في الليل فرأيت عبد أسود راقد معها في الفراش وهما في كلام وغنج وضحك وتقبيل وهراش فلما رأتني عجلت وقامت إلي بكوز فيه ماء فتكلمت عليه ورشتني، وقالت اخرج من هذه الصورة إلى صورة كلب فصرت في الحال كلباً فطردتني من البيت فخرجت من الباب ولم أزل سائراً، حتى وصلت دكان جزار فتقدمت وصرت آكل من العظام.

فلما رآني صاحب الدكان أخذني ودخل بي بيته فلما رأتني بنت الجزار غطت وجهها مني فقالت أتجيء لنا برجل وتدخل علينا به فقال أبوها أين الرجل قالت إن هذا الكلب سحرته امرأة وأنا أقدر على تخليصه فلما سمع أبوها كلامها قال: بالله عليك يا بنتي خلصيه فأخذت كوزاً فيه ماء وتكلمت عليه ورشت علي منه قليلاً وقالت: اخرج من هذه الصورة إلى صورتك الأولى، فصرت إلى صورتي الأولى فقبلت يدها وقلت لها: أريد أن تسحري زوجتي كما سحرتني فأعطتني قليلاً من الماء، وقالت إذا رأيتها نائمة فرش هذا الماء عليها فإنها تصير كما أنت طالب فوجدتها نائمة فرششت عليها الماء، وقلت اخرجي من هذه الصورة إلى صورة بغلة فصارت في الحال بغلة وهي هذه التي تنظرها بعينك أيها السلطان ورئيس ملوك الجان، ثم التفت إليها وقال: أصحيح هذا فهزت رأسها وقالت بالإشارة نعم هذا صحيح فلما فرغ من حديثه اهتز الجني من الطرب ووهب له باقي دمه وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

فقالت لها أختها: يا أختي ما أحلى حديثك وأطيبه وألذه وأعذبه فقالت: أين هذا مما أحدثكم به الليلة القابلة إن عشت وأبقاني الملك فقال الملك: والله لا أقتلها حتى أسمع بقية حديثها لأنه عجيب ثم باتوا تلك الليلة متعانقين إلى الصباح، فخرج الملك إلى محل حكمه ودخل عليه الوزير والعسكر واحتبك الديوان فحكم الملك وولى وعزل ونهى وأمر إلى آخر النهار ثم انفض الديوان ودخل الملك شهريار إلى قصره.
__________________
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 06-06-2010, 03:04 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي

الحمال والبنات

وهى تتكون من عشرون ليلة

فإنه كان إنسان من مدينة بغداد وكان حمالاً. فبينما هو في السوق يوماً منا لأيام متكئاً على قفصه إذ وقفت عليه امرأة ملتفة بإزار موصلي من حرير مزركش بالذهب وحاشيتاه من قصب فرفعت قناعها فبان من تحته عيون سوجاء بأهداب وأجفان وهي ناعمة الأطراف كاملة الأوصاف، وبعد ذلك قالت بحلاوة لفظها: هات قفصك واتبعني. فحمل الحمال القفص وتبعها إلى أن وقفت على باب دار فطرقت الباب فنزل له رجل نصراني، فأعطته ديناراً وأخذت منه مقداراً من الزيتون وضعته في القفص وقالت له: احمله واتبعني، فقال الحمال: هذا والله نهار مبارك.

ثم حمل القفص وتبعها فوقفت عند دكان فاكهاني واشترت منه تفاحاً شامياً وسفرجلاً عثمانياً وخوخاً عمانياً وياسميناً حلبياً وبنو فراده شقياً وخياراً نيلياً وليموناً مصرياً وتمر حنا وشقائق النعمان وبنفسجاً ووضعت الجميع في قفص الحمال وقالت له: احمل، فحمل وتبعها حتى وقفت على جزار وقالت له: اقطع عشرة أرطال لحمة فقطع لها، ولفت اللحم في ورق موز ووضعته في القفص وقالت له: احمل يا حمال فحمل وتبعها، ثم وقفت على النقلي وأخذت من سائر النقل وقالت للحمال: احمل واتبعني فحمل القفص وتبعها إلى أن وقفت على دكان الحلواني واشترت طبقاً وملأته جميع ما عنده من مشبك وقطايف وميمونة وأمشاط وأصابع ولقيمات القاضي ووضعت جميع أنواع الحلاوة في الطبق ووضعته في القفص. فقال الحمال: لو أعلمتني لجئت معي ببغل تحمل عليه هذه الأشياء، فتبسمت.

ثم وقفت على العطار واشترت منه عشرة مياه ماء ورد وماء زهر وخلافه وأخذت قدراً من السكر وأخذت ماء ورد ممسك وحصى لبان ذكر وعودا عنبر ومسكاً وأخذت شمعاً اسكندرانياً ووضعت الجميع في القفص وقالت للحمال: احمل قفصك واتبعني، فحمل القفص وتبعها إلى أن أتت داراً مليحة وقدامها رحبة فسيحة وهي عالية البنيان مشيدة الأركان بابها صنع من الأبنوس مصفح بصفائح الذهب الأحمر، فوقفت الصبية على الباب ودقت دقاً لطيفاً وإذا بالباب انفتح بشقتيه.

فنظر الحمال إلى من فتح لها الباب فوجدها صبية رشيقة القد قاعدة النهد ذات حسن وجمال وقد واعتدال وجبين كثغرة الهلال وعيون كعيون الغزلان وحواجب كهلال رمضان وخدود مثل شقائق النعمان وفم كخاتم سليمان ووجه كالبدر في الإشراق ونهدين كرمانتين وبطن مطوي تحت الثياب كطي السجل للكتاب.

فلما نظر الحمال إليها سلبت عقله وكاد القفص أن يقع من فوق رأسه، ثم قال: ما رأيت عمري أبرك من هذا النهار، فقالت الصبية البوابة للدلالة والحمال مرحبا وهي من داخل الباب ومشوا حتى انتهوا إلى قاعة فسيحة مزركشة مليحة ذات تراكيب وشاذر وأثاث ومصاطب وسدلات وخزائن عليها الستور مرخيات، وفي وسط القاعة سرير من المرمر مرصع بالدر والجوهر منصوب عليه ناموسية منا لأطلس الأحمر ومن داخله صبية بعيون بابلية وقامة ألفية ووجه يخجل الشمس المضيئة، فكأنها بعض الكواكب الدرية أو عقيلة عربية كما قال فيها الشاعر:

من قاس قدك بالغصن الرطيب فقد أضحى القياس به زوراً وبهتانـا

الغصن أحسن ما تلقاه مكتـسـبـاً وأنت أحسن ما تلقـاه عـريانـا

فنهضت الصبية الثالثة من فوق السرير وخطرت قليلاً إلى أن صارت في وسط القاعة عند أختيها وقالت: ما وقوفهم، حطوا عن رأس هذا الحمال المسكين، فجاءت الدلالة من قدامه والبوابة من خلفه، وساعدتهما الثالثة وحططن عن الحمال وأفرغن ما في القفص وصفوا كل شيء في محله وأعطين الحمال دينارين وقلن له: توجه يا حمال، فنظر إلى البنات وما هن فيه من الحسن والطبائع الحسان فلم ير أحسن منهن ولكن ليس عندهن رجال.

ونظر ما عندهن من الشراب والفواكه والمشمومات وغير ذلك فتعجب غاية العجب ووقف عن الخروج، فقالت له الصبية: ما بالك لا تروح؟ هل أنت استقللت الأجرة، والتفتت إلى أختها وقالت لها: أعطيه ديناراً آخر فقال الحمال: والله يا سيداتي إن أجرتي نصفان، وما استقللت الأجرة وإنما اشتغل قلبي وسري بكن وكيف حالكن وأنتن وحدكن وما عندكن رجال ولا أحد يؤانسكن وأنتن تعرفن أن المنارة لا تثبت إلا على أربعة وليس لكن رابع، وما يكمل حظ النساء إلا بالرجال كما قال الشاعر: انظر إلى أربع عندي قد اجتمعت جنك وعود وقانون ومـزمـار

أنتن ثلاثة فتفتقرن إلى رابع يكون رجلاً عاقلاً لبيباً حاذقاً وللأسرار كاتماً فقلن له: نحن بنات ونخاف أن نودع السر عند من لا يحفظه، وقد قرأنا في الأخبار شعراً:

صن عن سواك السر لا تودعنه من أودع السر فقد ضـيعـه

فلما سمع الحمال كلامهن قال: وحياتكن أني رجل عاقل أمين قرأت الكتب وطالعت التواريخ، أظهر الجميل وأخفي القبيح وأعمل بقول الشاعر:

لا يكتم السر إلا كل ذي ثـقة والسر عند خيار الناس مكتوم

السر عندي في بيت له غلـق ضاعت الفاتحة والباب مختوم

فلما سمعت البنات الشعر والنظام وما أبداه من الكلام قلن له: أنت تعلم أننا غرمنا على هذا المقام جملة من المال فهل معك شيء تجازينا به، فنحن لا ندعك تجلس عندنا حتى تغرم مبلغنا من المال لأن خاطرك أن تجلس عندنا وتصير نديمنا وتطلع على وجوهنا الصباح الملاح. فقالت صاحبة الدار: وإذا كانت بغير المال محبة فلا تساوي وزن حبة، وقالت البوابة إن يكن معك شيء رح بلا شيء فقالت الدلالة يا أختي نكف عنه فوالله ما قصر اليوم معنا ولو كان غيره ما طول روحه علينا ومهما جاء عليه أغرمه عنه.

ففرح الحمال وقال والله ما استفتحت بالدراهم إلا منكن، فقلن له اجلس على الرأس والعين وقامت الدلالة وشدت وسطها وصبت القناني وروقت المدام وعملت الخضرة على جانب البحر وأحضرت ما يحتاجون إليه ثم قدمت وجلست هي وأختها وجلس الحمال بينهن وهو يظن أنه في المنام. ولم يزل الحمال معهن في عناق وتقبيل وهذه تكلمه وهذه تجذبه وهذه بالمشموم تضربه وهو معهن حتى لعبت الخمرة بعقولهم.

فلما تحكم الشراب معهم قامت البوابة وتجردت من ثيابها وصارت عريانة ثم رمت نفسها في تلك البحيرة ولعبت في الماء وأخذت الماء في فمها وبخت الحمال ثم غسلت أعضاءها وما بين فخذيها ثم طلعت من الماء ورمت نفسها في حجر الحمال وقالت له يا حبيبي ما اسم هذا وأشارت إلى فرجها.

فقال الحمال رحمك، فقالت يوه أما تستحي ومسكته من رقبته وصارت تصكه فقال فرجك، فقالت غيره فقال: كسك، فقالت غيره فقال زنبورك، فلم تزل تصكه حتى ذاب قفاه ورقبته من الصك، ثم قال لها وما اسمه فقالت له: حبق الجسور، فقال الحمد لله على السلامة يا حبق الجسور. ثم أنهم أداروا الكأس والطاس.

فقامت الثانية وخلعت ثيابها ورمت نفسها في تلك البحيرة وعملت مثل الأولى وطلعت ورمت نفسها في حجر الحمال، وأشارت إلى فرجها وقالت له نور عيني ما اسم هذا قال فرجك، فقالت له: ما يقبح عليك هذا الكلام وصكته كفاطن له سائر ما في القاعة فقال حبك الجسور، فقالت له: لا، والضرب والصك من قفاه فقال لها وما اسمه فقالت له السمسم المقشور.

ثم قامت الثالثة وخلعت ثيابها ونزلت تلك البحيرة وفعلت مثل من قبلها ثم لبست ثيابها وألقت نفسها في حجر الحمال وقالت له أيضاً ما اسم هذا وأشارت إلى فرجها، فصار يقول لها كذا وكذا إلى أن قال لها وهي تضربه وما اسمه فقالت خان أبي منصور.

ثم بعد ساعة قام الحمال ونزع ثيابه ونزل البحيرة وذكره يسبح في الماء وغسل مثل ما غسلن. ثم طلع ورمى نفسه في حجر سيدتهن ورمى ذراعيه في حجر البوابة ورمى رجليه في حجر الدلالة ثم أشار إلى أيره، وقال: يا سيدتي ما اسم هذا فضحك الكل على كلامه حتى انقلبن على ظهورهن وقلن زبك قال لا وأخذ من كل واحدة عضة قلن أيرك قال لا، وأخذ من كل واحدة حضناً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
__________________
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 06-06-2010, 03:05 AM
سعد ناصرالدين سعد ناصرالدين غير متواجد حالياً
مراقب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 4,586
افتراضي

في الليلة العاشرة

قالت لها أختها دنيازاد: يا أختي أتمي لنا حديثك قالت حباً وكرامة: قد بلغني أيها الملك السعيد أنهن لم يزلن يقلن زبك، أيرك وهو يقبل ويعانق وهن يتضاحكن إلى أن قلن له وما اسمه قال: اسمه البغل الجسور الذي رعى حبق الجسور ويلعق السمسم المقشور ويبيت في خان أبي منصور فضحكن حتى استلقين على ظهورهن ثم عادوا إلى منادمتهم ولم يزالوا كذلك إلى أن أقبل الليل عليهم فقلن للحمال توجه وأرنا عرض أكتافك.

فقال الحمال والله خروج الروح أهون من الخروج من عندكن، دعونا نصل الليل بالنهار وكل منا يروح في حال سبيله فقالت الدلالة بحياتي عندكن تدعنه ينام عندنا نضحك عليه فإنه خليع ظريف فقلن له: تبيت عندنا بشرط أن تدخل تحت الحكم ومهما رأيته لا تسأل عنه ولا عن سببه، فقالت نعم، فقلن قم واقرأ ما على الباب مكتوباً، فقام إلى الباب فوجد مكتوباً عليه بماء الذهب: لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع ما لا يرضيك.

فقال الحمال اشهدوا أني لا أتكلم فيما لا يعنيني، ثم قامت الدلالة وجهزت لهم مأكولاً ثم أوقدوا الشمع والعود وقعدوا في أكل وشرب وإذا هم سمعوا دق الباب فلم يختل نظامهم فقامت واحدة منهن إلى الباب ثم عادت وقالت كمل صفاؤنا في هذه الليلة لأني وجدت بالباب ثلاثة أعجام ذقونهم محلوقة وهم عور بالعين الشمال وهذا من أعجب الاتفاق، وهم ناس غرباء قد حضروا من أرض الروم ولكل واحد منهم شكل وصورة مضحكة، فإن دخلوا نضحك عليهم. ولم تزل تتلطف بصاحبتيها حتى قالتا لها دعيهم يدخلون واشترطي عليهم أن لا يتكلموا في ما لا يعنيهم فيسمعوا ما لا يرضيهم. ففرحت وزاحت ثم عادت ومعها الثلاثة العور ذقونهم محلوقة وشواربهم مبرومة ممشوقة وهم صعاليك فسلموا فقام لهم البنات وأقعدوهم فنظر الرجال الثلاثة إلى الحمال فوجدوه سكران فلما عاينوه ظنوا أنه منهم وقالوا: هو صعلوك مثلنا يؤانسنا.

فلما سمع الحمال هذا الكلام قام وقلب عينيه وقال لهم: اقعدوا بلا فضول أما قرأتم ما على الباب فضحك البنات وقلن لبعضهن إننا نضحك على الصعاليك والحمال، ثم وضعن الأكل للصعاليك فأكلوا ثم جلسوا يتنادمون والبوابة تسقيهم.

ولما دار الكأس بينهم قال الحمال للصعاليك يا إخواننا هل معكم حكاية أو نادرة تسلوننا بها فديت فيهم الحرارة وطلبوا آلات اللهو فأحضرت لهم البوابة فلموصليا وعوداً عراقياً وجنكاً عجمياً فقام الصعاليك واقفين وأخذ واحد منهم الدف، وأخذ واحد العود، وأخذ واحد الجنك وضربوا بها وغنت البنات وصار لهم صوت عال. فبينما هم كذلك وإذا بطارق يطرق الباب، فقامت البوابة لتنظر من بالباب وكان السبب في دق الباب أن في تلك الليلة نزل هارون الرشيد لينظر ويسمع ما يتجدد من الأخبار هو وجعفر وزيره وسياف نقمته، وكان من عادته أن يتنكر في صفة التجار، فلما نزل تلك الليلة ومشى في المدينة جاءت طريقهم على تلك الدار فسمعوا آلات الملاهي فقال الخليفة جعفر هؤلاء قوم قد دخل السكر فيهم ونخشى أن يصيبنا منهم شر، فقال لا بد من دخولنا وأريد أن نتحيل حتى ندخل عليهم فقال جعفر: سمعاً وطاعة.

ثم تقدم جعفر وطرق الباب فخرجت البوابة وفتحت الباب، فقال لها: يا سيدتي نحن تجار من طبرية ولنا في بغداد عشرة أيام ومعنا تجارة ونحن نازلون في خان التجار وعزم علينا تاجر في هذه الليلة فدخلنا عنده وقدم لنا طعاماً فأكلنا ثم تنادمنا عنده ساعة، ثم أذن لنا بالانصراف فخرجنا بالليل ونحن غرباء فتهنا عن الخان الذي نحن فيه فنرجو من مكارمكم أن تدخلونا هذه الليلة نبيت عندكم ولكم الثواب فنظرت البوابة إليهم فوجدتهم بهيئة التجار وعليهم الوقار فدخلت لصاحبتيها وشاورتهما فقالتا لها أدخليهم.

فرجعت وفتحت لهم الباب فقالوا ندخل بإذنك، قالت ادخلوا فدخل الخليفة وجعفر ومسرور فلما أتتهم البنات قمن لهم وخدمنهم وقلن مرحباً وأهلاً وسهلاً بضيوفنا، ولنا عليكم شرط أن لا تتكلموا فيما لا يعنيكم فتسمعوا ما لا يرضيكم قالوا نعم. وبعد ذلك جلسوا للشراب والمنادمة فنظر الخليفة إلى الصعاليك الثلاثة فوجدهم عور العين الشمال فتعجب منهم ونظر إلى البنات وما هم فيه من الحسن والجمال فتحير وتعجب، واستمر في المنادمة والحديث وأتين الخليفة بشراب فقال أنا حاج وانعزل عنهم.

فقامت البوابة وقدمت له سفرة مزركشة ووضعت عليها بمطية من الصيني وسكبت فيها ماء الخلاف وأرخت فيه قطعة من الثلج ومزجته بسكر فشكرها الخليفة وقال في نفسه لا بد أن أجازيها في غد على فعلها من صنيع الخير، ثم اشتغلوا بمنادمتهم، فلما تحكم الشراب قامت صاحبة البيت وخدمتهم، ثم أخذت بيد الدلالة وقالت: يا أختي قومي بمقتضى ديننا فقالت لها نعم، فعند ذلك قامت البوابة وأطلعت الصعاليك خلف الأبواب قدامهن وذلك بعد أن أخلت وسط القاعة ونادين الحمال وقلن له: ما أقل مودتك ما أنت غريب بل أنت من أهل الدار.

فقام الحمال وشد أوسطه وقال: ما تردن فلن تقف مكانك، ثم قامت الدلالة وقالت للحمال ساعدني، فرأى كلبتين من الكلاب السود في رقبتيهما جنازير فأخذهما الحمال ودخل بهما إلى وسط القاعة فقامت صاحبة المنزل وشمرت عن معصميها وأخذت سوطاً وقالت للحمال قوم كلبة منهما فجرها في الجنزير وقدمها والكلبة تبكي وتحرك رأسها إلى الصبية فنزلت عليها الصبية بالضرب على رأسها والكلبة تصرخ وما زالت تضربها حتى كلت سواعدها فرمت السوط من يدها ثم ضمت الكلبة إلى صدرها ومسحت دموعها وقبلت رأسها ثم قالت للحمال ردها وهات التالية، فجاء بها وفعلت بها مثل ما فعلت بالأولى.


فعند ذلك اشتعل قلب الخليفة وضاق صدره وغمز جعفر أن يسألها، فقال له بالإشارة اسكت، ثم التفتت صاحبة البيت للبوابة وقالت لها: قومي لقضاء ما عليك قالت نعم. ثم إن صاحبة البيت صعدت على سرير من المرمر مصفح بالذهب والفضة وقالت البوابة والدلالة ائتيا بما عندكما، فأما البوابة فإنها صعدت على سرير بجانبها وأما الدلالة فإنها دخلت مخدعاً وأخرجت منه كيساً من الأطلس بأهداب خضر ووقفت قدام الصبية صاحبة المنزل ونفضت الكيس وأخرجت منه عوداً وأصلحت أوتاره وأنشدت هذه الأبيات:

ردوا على جفني النوم الذي سلـبـا وخبروني بعـقـلـي آية ذهـبـا

علمت لما رضيت الحب مـنـزلة إن المنام على جفني قد غصـبـا

قالوا عهدناك من أهل الرشاد فمـا أغواك قلت اطلبوا من لحظة السببا
إني له عن دمي المسفوك معتـذر أقول حملته في سفكـه تـعـبـا

ألقى بمرآة فكري شمس صورته فعكسها شب في أحشائي اللهبـا

من صاغه الله من ماء الحياة وقد أجرى بقيته في ثغـره شـنـبـا
ماذا ترى في محب ما ذكرت لـه إلا شكى أو بكى أو حن أو أطربا

يرى خيالك في المـاء الـذلال إذا رام الشراب فيروى وهو ما شربا

وأنشدت أيضاً:

سكرت من لحظه لا من مدامته ومال بالنوم عن عيني تمايلـه

فما السلاف سلتني بل سوالفـه وما الشمل شلتني بل شمائلـه

فلما سمعت الصبية ذلك، قالت طيبك الله، ثم شقت ثيابها ووقعت على الأرض مغشياً عليها، فلما نكشف جسدها رأى الخليفة أثر ضرب المقارع والسياط فتعجب من ذلك غاية العجب فقامت البوابة ورشت الماء على وجهها وأتت إليها بحلة وألبستها إياها، فقال الخليفة لجعفر أما تنظر إلى هذه المرأة وما عليها من أثر الضرب، فأنا لا أقدر أن أسكت على هذا وما أستريح إلا إن وقفت على حقيقة خبر هذه الصبية وحقيقة خبر هاتين الكلبتين، فقال جعفر: يا مولانا قد شرطوا علينا شرطاً وهو أن لا نتكلم فيما لا يعنينا فنسمع ما لا يرضينا، ثم قامت الدلالة فأخذت العود وأسندته إلى نهدها، وغمزته بأناملها وأنشدت تقول:

إن شكونا الهوى فمـاذا تـقـول أو تلفنا شوقاً فماذا الـسـبـيل

أو بعثنا رسلاً نتـرجـم عـنـا ما يؤدي شكوى المحب رسـول

أو صبرنا فما لنـا مـن بـقـاء بعد فقد الأحـبـاب إلا قـلـيل

ليس إلا تـأسـفـاً ثـم حـزنـاً ودموعاً على الخـدود تـسـيل

أيها الغائبون عن لمـح عـينـي وعم في الفؤاد منـي حـلـول

هل حفظتم لدى الهوى عهد صب ليس عنه مدى الزمـان يحـول

أم نسيتم على التبـاعـد صـبـا شفه فبكم الضنى والـنـحـول

وإذا الحشر ضمنـا أتـمـنـى من لدن وبنا حسـابـاً يطـول

فلما سمعت المرأة الثانية. شعر الدلالة شقت ثيابها. كما فعلت الأولى. وصرخت ثم ألقت نفسها على الأرض مغشياً عليها، فقامت الدلالة وألبستها حلة ثانية بعد أن رشت الماء على وجهها ثم قامت المرأة الثالثة وجلست على سرير وقالت للدلالة غني لي لا في ديني فما بقي غير هذا الصوت فأصلحت الدلالة العود وأنشدت هذه الأبيات:

فإلى متى هذا الصدود وذا الجفـا فلقد جوى من أدمعي ما قد كفى

كم قد أطلت الهجر لي معتـمـداً إن كان قصدك حاسدي فقد اشتفى

لو أنصف الدهر الخؤون لعاشـق ما كان يوم العواذل منـصـفـا

فلمن أبوح بصبوتي يا قـاتـلـي يا خيبة الشاكي إذا فقـد الـوفـا

ويزيد وجدي في هواك تلـهـفـاً فمتى وعدت ولا رأيتك مخلـفـا

يا مسلمون خذوا بـنـار مـتـيم ألف الشهادة لديه طرف ما غفـا

أيحل في شرع الغرام تـذلـلـي ويكون غيري بالوصال مشرفـا

ولقد كلفت بحبـكـم مـتـلـذذاً وغدا عذولي في الهوى متكلفـا

فلما سمعت المرأة الثالثة قصيدتها صرخت وشقت ثيابها وألقت نفسها على الأرض مغشياً عليها فلما انكشف جسدها ظهر فيه ضرب المقارع، مثل من قبلها فقال الصعاليك ليتنا ما دخلنا هذه الدار وكنا بتنا على الكيمان، فقد تكدر مبيتنا هنا بشيء يقطع الصلب فالتفت الخليفة إليهم وقال لهم لم ذلك قالوا قد اشتغل سرنا بهذا الأمر فقال الخليفة أما أنتم من هذا البيت، قالوا لا ولا ظننا هذا الموضع إلا للرجل الذي عندكم. فقال الحمال والله ما رأيت هذا الموضع إلا هذه الليلة وليتني بت على الكيمان ولم أبت فيه.

فقال الجميع نحن سبعة رجال وهن ثلاث نسوة وليس لهن رابعة فنسألهن عن حالهن فإن لم يجبننا طوعاً أجبننا كرهاً واتفق الجميع على ذلك، فقال جعفر ما هذا رأي سديد دعوهن فنحن ضيوف عندهن وقد شرطن علينا، شرطاً فنوفي به ولم يبق من الليل إلا القليل وكل منا يمضي إلى حال سبيله، ثم إنه غمز الخليفة وقال ما بقي غير ساعة، وفي غد تحضرهن بين يديك، فتسألهن عن قصتهن فأبى الخليفة وقال لم يبق لي صبر عن خبرهن وقد كثر بينهن القيل والقال، ثم قالوا ومن يسألهن فقال بعضهم الحمال ثم قال لهم النساء يا جماعة في أي شيء تتكلمون.

فقال الحمال لصاحبة البيت وقال لها يا سيدتي سألتك بالله وأقسم عليك به أن تخبرينا عن حال الكلبتين، وأي سبب تعاقبيهما ثم تعودين تبكين، وتقبليهما وأن تخبرينا عن سبب ضرب أختك بالمقارع وهذا سؤالنا والسلام فقالت صاحبة المكان للجماعة ما يقوله عنكم فقال الجميع نعم، إلا جعفر فإنه سكت.

فلما سمعت الصبية كلامهم قالت والله لقد آذيتمونا يا ضيوفنا، الأذية البالغة، وتقدم لنا أننا شرطنا عليكم أن من تكلم فيما لا يعنيه، سمع ما لا يرضيه أما كفا أننا أدخلناكم منزلنا وأطعمناكم زادنا ولكن لا ذنب لكم وإنما الذنب لمن أوصلكم إلينا ثم شمرت عن معصمها وضربت الأرض ثلاث ضربات وقالت عجلوا.

وإذا بباب خزانة قد فتح وخرج منها سبعة عبيد بأيديهم سيوف مسلولة وقالت كتفوا هؤلاء الذين كثر كلامهم واربطوا بعضهم ببعض ففعلوا وقالوا أيتها المخدرة ائذني لنا في ضرب رقابهم، فقالت أمهلوهم ساعة حتى أسألهم عن حالهم قبل ضرب رقابهم، فقال الحمال بالله يا سيدتي لا تقتليني بذنب الغير فإن الجميع أخطأوا، ودخلوا في الذنب، إلا أنا والله لقد كانت ليلتنا طيبة لو سلمنا من هؤلاء الصعاليك الذين لو دخلوا مدينة عامرة لأخربوها، ثم أنشد يقول:

ما أحسن الغفران من قادر لا سيما عن غير ذي ناصر

بحرمة الود الذي بـينـنـا لا تقتلي الأول بـالآخـر

فلما فرغ الحمال من كلامه ضحكت الصبية، وأدرك

شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع